زياد عاصي الرحباني… رحل آخر الفلاسفة الذي لم يشبه أحداً/ عباس قبيسي
في لحظةٍ إنكسار لم نكن مستعدين لها، ترجل زياد الرحباني عن خشبة العمر، وأسدل ستار المسرحية الأخيرة، بصمتٍ يشبه صمته حين يضيق بالحياة، وتضيق به. مات من لم يكن يشبه أحدًا، من تحدى كل الأنماط، وغنّى ضد الريح، وكتب لنا بأسلوبه الساخر المرير ما لم نجرؤ على قوله.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كيف نرثي من رثى هذا الوطن حيًّا؟ كيف ننعى من قال لنا منذ عقود إن السفينة تغرق، وإن العقل قد أُهين، وإن الناس تُساق إلى الجنون كأنها إلى حفلة تنكرية بلا نهاية؟
زياد لم يكن مجرد موسيقي، بل كان مدرسة فكرية وصرخة فنية، وموقفًا مقاوماً دائمًا ضد الرداءة والذل والخنوع. كتب موسيقاه على أوتار الواقع، فكانت نوتاته خليطًا من الحب والسياسة، والفوضى والترتيب، والشجن والتمرد.
ابن السيده فيروز وعاصي، لكنه اختار لنفسه دربًا آخر، دربًا وعرًا، يسبح عكس التيار، أدخل السياسة إلى المسرح، والاشتراكية إلى المقهى، والمزاح إلى الفلسفة ونصرة الكادحين الى الطبق اليومي وعندما عزف لم يعزف فقط على البيانو، بل على أعصاب هذا الشعب المتعب، الذي وجد في موسيقاه عزاءً ومرآة.
من “بالنسبة لبكرا شو؟” إلى “فيلم أميركي طويل”، “وأنا مش كافر” إلى ارتجالاته الحيّة، ظل زياد وفيًّا لضميره، لا ينافق، لا يساير، لا يصنع فناً لأجل التصفيق، بل لأجل الوجع والفكرة.
زياد الذي أراد أن يكون حراً في فكره، خسر المناصب، وربح عامة الناس خسر الشهرة الرخيصة والسهلة، وربح الاحترام الحقيقي، الآن وقد صمت، نشعر أن جزءاً من وعينا الثقافي قد انطفأ، وأن صوتًا جريئًا في الزمن الجبان قد سكت.
نمْ قرير العين هادئًا يا زياد، رغم أنك لم تكن تؤمن بالهدوء، نمْ كما يليق بعبقري لم يهادن، وبإنسان لم يساوم،
نمْ كما ينام الكبار، حين تتعب الأرض من استقبال خطاهم الثقيلة.
زياد الرحباني… الصوت الذي كان أوسع من بيروت، ومرآة الوطن في لحظاته الأكثر صدقًا وتعبًا،
وداعًا، أيها المعلم المختلف
وداعاً، يا آخر الفلاسفة الذين عزفوا على جراحهم بدل أن يضمدوها!!
