الجزائر ولبنان: شراكة التاريخ تتجدد… وزيارة عون تفتح الأبواب الواسعة للتعاون/ محمد غزالة
في لحظة سياسية إقليمية دقيقة، تحمل زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى الجزائر أبعادًا تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، لتؤكد عمق العلاقة بين بلدين تجمعهما الذاكرة العربية، والنضال المشترك، والمواقف الثابتة في وجه التحديات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أنهى الرئيس عون يوم الأربعاء زيارته الرسمية إلى الجزائر التي وصفها المراقبون بأنها “خطوة مفصلية” في إعادة تفعيل الدور العربي الجماعي تجاه لبنان، وتثبيت علاقاته الثنائية مع دولة طالما كانت سندًا لقضايا الشعوب العربية.
علاقات متجذّرة وإرادة مشتركة
خُصَّ الرئيس اللبناني باستقبال رسمي من نظيره الجزائري الرئيس عبد المجيد تبون، تبعته محادثات ثنائية موسعة ضمّت وفدي البلدين، تناولت ملفات التعاون الاقتصادي، والثقافي، والتنموي، إضافة إلى الأوضاع السياسية الإقليمية والتنسيق في المحافل الدولية.
وأكد الرئيس تبون أن الزيارة “خطوة بالغة الأهمية في مسار العلاقات الأخوية المتجذرة”، مشددًا على ضرورة الإسراع بعقد الدورة الأولى للجنة الجزائرية-اللبنانية المشتركة، بما يشكل انطلاقة جديدة لشراكة اقتصادية فعالة، خصوصًا عبر مجلس رجال الأعمال المشترك.
الجزائر ولبنان: تضامن في كل الظروف
الجزائر، كعادتها، لم تُخفِ دعمها الثابت للبنان في وجه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية. فقد جدّد الرئيس تبون التزام بلاده الثابت بالتضامن مع لبنان، ودعمه الكامل لسيادته واستقراره، مُشيرًا إلى المساعي التي تبذلها الجزائر داخل مجلس الأمن لوقف الانتهاكات الصهيونية للسيادة اللبنانية، ودعمها لقرار تجديد عهدة قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني.
هذا الموقف ليس جديدًا، فلطالما كانت الجزائر حاضرة بقوة في الدفاع عن لبنان، من دعمها لوقف الحرب الأهلية، مرورًا بمشاركتها في الجهود العربية لإنهاء الأزمة، إلى التزامها المتواصل بالقضية الفلسطينية، التي تشكل نقطة التقاء بين البلدين على مستوى المبادئ.
الرئيس عون: للجزائر مكانة في وجدان اللبنانيين
من جهته، عبّر الرئيس جوزاف عون عن تقديره العميق للمواقف الجزائرية، مؤكدًا على “عمق وتجذر” العلاقات بين البلدين، ومشيدًا بالدور البارز للجزائر في دعم لبنان، لا سيما خلال المحطات المفصلية، مثل مشاركتها في اللجنة العربية العليا التي مهّدت لاتفاق الطائف.
وأشار عون إلى الإمكانيات الواعدة لتوسيع التعاون بين الجزائر ولبنان، خصوصًا في مجالات الطاقة، الزراعة، التجارة، الثقافة، الصحة، التكنولوجيا والسياحة، وهو ما يعكس تطلع بيروت لإعادة الانخراط في شبكات التعاون العربي، بعيدًا عن العزلة المفروضة عليها.
الجزائر: حاضر داعم ومستقبل شريك
في ظل الأزمات اللبنانية المتلاحقة، تبرز الجزائر كحليف استراتيجي محتمل، ليس فقط بسبب تاريخها الداعم، بل أيضًا لما تملكه من رصيد دبلوماسي ونفطي وتنموي يمكن أن يُشكل رافعة حقيقية للبنان في حال أحسن استثمار هذه العلاقة.
الجزائر التي خاضت تجربة الخروج من الحرب إلى الدولة، والنهوض من الاستعمار إلى السيادة، تملك ما يمكن أن تنقله من خبرات، إن على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الإداري. وفي المقابل، يملك لبنان برصيده الثقافي والإعلامي والأكاديمي ما يمكن أن يغني التعاون الثنائي.
ختام يليق بالعلاقات العريقة
وفي ختام الزيارة، قلّد الرئيس تبون نظيره اللبناني وسام “أثير” من مصف الاستحقاق الوطني، “تعبيرًا عن الأخوّة والتفاهم بين الشعبين”، في لحظة رمزية تختصر ما لم تقله الكلمات.
كما شهدت الزيارة لقاءات ثنائية بين وزراء الخارجية والإعلام، والمستشارين السياسيين، وزيارات بروتوكولية إلى كاتدرائية السيدة الإفريقية وجامع الجزائر، تأكيدًا على تنوع الروابط الثقافية والدينية بين البلدين.
خلاصة: ما بعد الزيارة؟
تشكل زيارة الرئيس جوزاف عون إلى الجزائر أكثر من مناسبة دبلوماسية. إنها رسالة إلى الداخل اللبناني بأن أبواب الدعم العربي لا تزال مفتوحة، وإلى الخارج بأن لبنان لم يُعزل . كما أنها تذكير بأن الجزائر، بتاريخها المشرّف ومواقفها الثابتة، ستظل ركيزة من ركائز العمل العربي المشترك، وصديقًا حقيقيًا للبنان في أوقاته العصيبة.
