منذ متى صار الضبع حمامة سلام، والذئب راعي غنم؟ لقد بات من الضروري أن نسأل هذا السؤال، ونحن نرى أميركا تتقدم على المسرح اللبناني بثوب الوسيط النزيه، وهي التي ما دخلت بلداً إلا وأشعلت فيه الحرائق، ثم باعت خرائط الإطفاء لمن أشعلت فيهم النار.
ما أعظم أميركا، تدخل علينا في كل أزمة بوجه باسم، تحمل غصن زيتون في يد، وتخفي ساطور الجزار في اليد الأخرى. تحدثنا عن وقف إطلاق النار، وكأنها الأم الحنون، وهي ذاتها التي تصفق للذئب حين ينهش، وتربت على كتفه إذا تعب من القضم.
أميركا اليوم هي الضبع الذي يمون على الذئب، تقول له: إهدأ قليلاً، فالوليمة لم تكتمل بعد، ثم تعود إلينا لتخبرنا أن ما تقوم به هو وساطة نزيهة.
ولكي لا نذهب بعيداً، فلننظر إلى غزة: قصف لا يتوقف، بيوت تدمر فوق أهلها، حصار وتجويع وذبح، وكل ذلك برعاية أميركية وبالسلاح الأميركي. فأي سلام هذا الذي تدعيه واشنطن، وهي تملأ مخازن القاتل بالرصاص، ثم تمسح على رأس الضحية؟.
يبدو أنهم يريدون للبنانيين، وبخاصة الطائفة التي دفعت دماء أبنائها دفاعاً عن هذا الوطن، أن تحشر في الزاوية، وتجبر على تسليم سلاحها، بحجة أن السلام قادم. لكن التاريخ مليء بالعبر، فكم من شعب سلم سلاحه صباحاً وأمن جاره، فذبح ظهراً على يديه.
ومن يدري، لعلهم يظنون أننا نؤمن بأن الذئب إذا شبع منا سيتحول إلى نباتي يتغذى على الخس والجرجير. لكن التاريخ القريب والبعيد يقول لا الذئاب تغير طبيعتها، ولا الضباع تشبع شهيتها.
وهنا نستحضر المثل القائل: أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض، هذا ليس مجرد مثل، بل قانون حياة في منطقتنا. من يفرط في قوة شريكه اليوم، سيفقد قدرته على حماية نفسه غداً. ومن يسكت عن ذبح الأسود، سيؤكل وهو أبيض دون أن يجد من يدافع عنه.
من هنا، نتمنى على الحكومة أن تعيد النظر في القرار الذي اتخذته في جلستها السابقة، خاصة أنه صدر في غياب وزراء مكون أساسي من مكونات الوطن. فالقرارات المصيرية لا تبنى على تغييب الشركاء، ولا تفرض على طرف أساسي وكأن الأمر مجرد إجراء إداري.
كما نحذر من زج الجيش اللبناني، هذه المؤسسة الضامنة والحامية للوطن، في معارك سياسية أو ميدانية لا شأن له بها. هؤلاء الجنود هم أبناؤنا، وهم لكل لبنان، وليسوا أداة بيد أحد لتصفية حسابات أو تنفيذ قرارات مثيرة للانقسام.
أيها اللبنانيون، يا أبناء كل الطوائف، لا تمنحوا الضباع والذئاب فرصة أن يقيموا ولائمهم على أجسادكم. وحدتكم اليوم ليست ترفاً، بل شرط بقاء. وإن اختلفتم، فلتكن خلافاتكم كخلاف الأشقاء، لا كخلاف الغرباء الذين يستدعون الغريب ليحكم بينهم.
تذكروا أن الضبع لا يبتسم إلا وهو يحصي حصته، والذئب لا يهادن إلا وهو يختار أنسب لحظة للانقضاض. فإذا تركنا أميركا ترسم لنا طريق “السلام”، فلا تتفاجأوا إذا اكتشفتم أن هذا الطريق ينتهي بنا على الطاولة، لا حولها.
أيها اللبنانيون، في زمن ازدحمت فيه الأسواق بالبضائع المقلدة، صارت الفتنة هي السلعة الأكثر رواجاً، بل منتجاً مستورداً بعناية من مصانع الخداع الأميركي والإسرائيلي.
والأدهى أن بعض أبناء الوطن صاروا وكلاء حصريين لهذه البضاعة الرديئة، يوزعونها بالمجان في الأزقة والبيوت وعلى محطات التلفزة، وكأنهم يظنون أن النار إذا اشتعلت ستحترق بيوت الآخرين فقط، متناسين أن الحريق لا يعرف العناوين ولا يميز بين الأبواب.
إن ما يجري اليوم من محاولات لشق الصفوف الطائفية والمذهبية، ليس وليد الصدفة، بل هو مشروع طويل الأمد، تكتب فصوله في مكاتب المخابرات وتنفذ على أرضنا بأيدينا نحن، وبألسنة تحسن فن الخطابة في الشتائم والتحريض أكثر مما تحسن صياغة جملة تدعو إلى التلاقي.
لقد آن الأوان أن نسخر من هذه اللعبة كما يسخر العقل من الجهل؛ أن ندرك أن “المشاهد” الذي يصفق لانقسامنا ليس مواطناً من هذه الأرض، بل موظف في واشنطن أو تل أبيب، يتقاضى أجره على كل فتحة صدع في جدار وحدتنا.
إن الدعوة اليوم ليست ترفاً خطابياً، بل فرض على كل لبناني شريف أن تتكاتف الطوائف كما تتشابك الحجارة في القلاع، وأن نغلق كل شقوق الفتنة قبل أن تصبح أنفاقاً يسير فيها المحتل بخطى آمنة. فالطائفة التي تفرح بسقوط أخرى، إنما تكتب بخط يدها تاريخ سقوطها هي.
وإلى من لا يزال يراهن على الخارج، نقول: تاجروا بما شئتم إلا بالوطن، فلبنان هو “وطن نهائي لجميع أبنائه”، والذي يبيع أرضه ودمه بثمن الوهم، سيشتريه الغريب بثمن الدم.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
