منذ تأسيس الكيان اللبناني عام 1920، مرت البلاد بمحطات مفصلية كادت تطيح بوحدتها الوطنية، من الحرب الأهلية عام 1975، مرورآ بالاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، وصولآ إلى الأزمات السياسية والاقتصادية الراهنة. وفي كل مرة يضعف فيها الداخل، يجد العدو الإسرائيلي فرصة لتوسيع أطماعه وفرض شروطه.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
التاريخ يعلمنا أن الانقسامات الداخلية كانت دائمآ المدخل لكل تدخل خارجي، وأن قوة لبنان كانت ولا تزال في وحدته الوطنية وتكامل عناصر قوته. واليوم، مع تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية واستمرار الخروقات الإسرائيلية، يصبح الحديث عن الاصطفافات الداخلية أو التلويح بحرب أهلية لعبآ بالنار.
وفي خضم التطورات المتسارعة على الساحة اللبنانية والإقليمية، جاءت تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لتبعث رسائل تحذيرية واضحة، ليس فقط للداخل اللبناني، بل أيضآ للمجتمع الدولي. موقفه ركز على التحذير من تنفيذ المطالب الإسرائيلية قبل ضمان انسحاب قوات الاحتلال ووقف العدوان، مؤكدآ أن أي تسوية سياسية أو أمنية يجب أن تنطلق من هذه الشروط الأساسية.
ورغم حدة المشهد، فإن كلام قاسم لم يغلق الباب أمام النقاش الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية، إذ أبدى انفتاحآ مشروطآ على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، شرط أن يتم ذلك في إطار يحفظ للبنان عناصر قوته وردعه.
في المقابل، برزت مواقف دبلوماسية غربية ذات نبرة ضاغطة، تدعو إلى التزام لبنان بما يسمى “الأجندة الدولية” كشرط للحصول على الدعم واستعادة الاستقرار الاقتصادي، في خطوة تراها المقاومة محاولة ابتزاز سياسي وأمني، خاصة في ظل استمرار الاحتلال واعتداءاته. كما تترافق هذه الضغوط مع سلسلة زيارات لمسؤولين أجانب، توحي بوجود مساع ممنهجة للتأثير على القرار اللبناني في الملفات السيادية.
ولا يمكن تجاهل التصريحات المعلنة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، التي ترسم أهدافآ توسعية لا حدود لها، وتشير إلى أن مشاريع الاحتلال لن تتوقف عند الحدود، بل تسعى للسيطرة على كامل المنطقة. هذا المشروع يوضح حجم التهديد المباشر الذي يواجهه لبنان، ويؤكد أن أي ضعف داخلي أو استسلام لمطالب الخارج سيكون مدخلآ لمزيد من الأطماع الإسرائيلية.
إن المشهد الراهن يفرض سؤالًا جوهريآ: هل المطلوب تحييد المقاومة قبل ضمان حقوق لبنان وحمايته من العدوان؟ التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية تثبت أن المقاومة كانت صمام الأمان في وجه مشاريع الاحتلال، وأن التخلي عنها دون ضمانات فعلية يترك البلاد مكشوفة أمام الأطماع الإسرائيلية. وفي المقابل، فإن الانفتاح على حوار وطني جاد يدمج قدرات المقاومة في إطار الدولة، ويضع استراتيجية دفاعية جامعة، قد يكون الطريق الأمثل لتفادي الانقسام وحماية لبنان من الداخل والخارج.
فلبنان ليس ساحة مفتوحة للتجارب السياسية، ولا دفتر شروط بيد القوى الخارجية. لبنان وطن حر دفع ثمن حريته غاليآ، ولن يكون لقمة سائغة في فم الاحتلال.
ما دامت هناك مقاومة تحفظ الأرض، وجيش يحمي الحدود، وشعب يرفض الانكسار، فإن أي مشروع لانتزاع قوة لبنان سيفشل قبل أن يولد. فلنحافظ على هذه المعادلة الذهبية، ولنجعلها خطآ أحمر لا يتجاوزه أحد، لأن لبنان الذي نريد هو لبنان القوي، لا لبنان الخاضع.
