في ليلة ذكرى الإمام موسى الصدر، أستعيد صورة والدي وهو يسير على خطاه ويؤمن بفكره ونهجه. لم يكن الإمام بالنسبة له مجرد رجل دين، بل كان بوصلة للحياة، ومثالًا على أنّ القائد الحقيقي هو الذي يضع الإنسان أولًا، ويجعل من القيم مشروعًا يوميًا لا شعارًا.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يكن الإمام موسى الصدر رجل دين عابرًا، بل كان ضميرًا حيًّا ورؤية استباقية لمستقبل وطنٍ جريح. غاب عام 1978 في ظروف غامضة، لكن فكره وحضوره لا يزالان صرخة في وجه الاستسلام، ورسالةً بأن السلام لا يكتمل إلا بمقاومة الظلم.
هناك رجال تتجاوز سيرتهم حدود أعمارهم، فيغدو غيابهم حضورًا أبديًّا. والإمام موسى الصدر واحد من هؤلاء. في لبنان، حيث تعب الناس من الأزمات والحروب، ما زال اسمه يتردّد كرمز للوحدة، وصوته يتردّد كدعوة للعدالة، ورؤيته تظل خريطة طريق في زمنٍ تتلاشى فيه البوصلات.
لم يكن الصدر أسير العمامة ولا رهين الطقوس، بل كان قائدًا إصلاحيًا يعرف أنّ الكلمة بلا فعل تذبل. حمل همّ الفقير والمهمّش، وأطلق مشاريع تنموية وتعليمية وصحية جعلت من الدين رسالة خدمة لا وسيلة سلطة. كان يرى في الإنسان قيمة مطلقة، لا يُقاس بانتمائه الطائفي أو طبقته الاجتماعية، بل بكرامته التي لا يجوز المساس بها.
وفي الوقت نفسه، لم يكن سلامه استسلامًا. رفض أن يُختزل السلام في الصمت أمام الطغيان، وأدرك أن العدالة هي أساس أي مصالحة حقيقية. كان سابقًا لعصره حين حذّر من أنّ الاحتلال الإسرائيلي، بما يحمله من اغتصابٍ للأرض وتشريدٍ للناس، سيبقى مصدر اضطراب في المنطقة كلها. لم تكن مواقفه نابعة من عاطفة غاضبة، بل من بصيرة أخلاقية عميقة: لا يمكن أن يُزرع سلام في أرضٍ مغتصبة، ولا أن ينبت أمل فوق جرح مفتوح.
عظمة الإمام الصدر أنّه جمع بين ما اعتاد الناس اعتباره متناقضًا: المقاومة والحوار. قاوم الاحتلال والطغيان، وفي الوقت نفسه مدّ جسور اللقاء مع المسيحيين والعلمانيين وسائر القوى الوطنية. آمن أن التعايش ليس ترفًا بل شرط وجود، وأن المقاومة ليست نقيض السلام، بل بوابته الكبرى.
كإمرأة لبنانية اليوم، أشعر بثقل غيابه في تفاصيل يومنا. في السياسة المشلولة، في وجع الناس، في مستقبل أطفالنا الذي يتناقص مع كل أزمة. غيابه ليس ذكرى في كتب التاريخ، بل هو فراغ نعيشه في حاضرنا، فراغ قائد كان يمكن أن يغيّر وجه هذا الوطن.
وأذكر في ليلة ذكراه كيف كان أبي يسير على خطاه ويؤمن بفكره ونهجه، وكأن إرثه لم يكن حبرًا على ورق بل حياة تُعاش وتُمارس. ذلك الإيمان العميق جعلني أوقن أنّ العالم بأمسّ الحاجة إلى رجال مثله: رجال يجعلون من السلام مقاومة، ومن المقاومة طريقًا إلى السلام. وحتى تُكشف أسرار غيابه ويُعرف مصيره، سيبقى الإمام موسى الصدر حاضرًا في وعينا وذاكرتنا، يلهمنا أن لا نفقد الأمل ولا نستسلم للظلم.
