ربما خيب خطاب الرئيس نبيه بري ظن الكثيرين، فالبعض كان يترقب اعلان الجهاد عبر المظاهرات وقطع الطرقات، أو الذهاب إلى العصيان المدني كما ضجت به الكثير من المواقع الإعلامية، والبعض الآخر كان يراهن على رفع حدة الخطاب ضد كل من رئيس الجمهورية والحكومة ليستقوي بالخارج على المارقين ضد الدولة اللبنانية، خاصة أنهم شككوا بلبنانية الطائفة الشيعية، والبعض ربما كان يتوقع أن يكون الخطاب مذهبياً دفاعاً عن الطائفة الشيعية لتعزيز الخطاب الطائفي وتجييشه ضد هذه الطائفة، لكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر.
لقد صاغ الرئيس بري خطابه بمهارة ” الجوهرجي”، فجاء الخطاب سهلاً ممتنعاً، صادراً عن رجل دولة بكل ما للكلمة من معنى، مؤكداً على ثوابت وقناعات لم تتبدل منذ أطلق الإمام السيد موسى الصدر حركته ومقاومته، في وقت غيّرت معظم القوى السياسية ايديولوجيتها، وأكد على أهمية الحوار واللقاء من أجل الاتفاق على آلية لحل النزاع، وهو طرح جديد ـ قديم لطالما دعا إليه الرئيس بري.
أطلق الرئيس بري تحذيراً من خطاب الكراهية الذي يعتمده من يتربصون شراً بلبنان، والمرتكز على جمع الجهل والتعصب ليصبحا سلوكاً يؤدي إلى الخراب، والذي للأسف باتت تُفتح له الشاشات والعقول الشيطانية، ودعا إلى اعتماد لغة العقل، تماماً كما وجه الإمام السيد موسى الصدر نداءً إلى العقل اللبناني في خضم الحرب الأهلية.
وبالرغم من الخطاب الهادئ إلا أن الرئيس بري أعلنها وبصراحة رفض التهديد وضرب الميثاقية واستباحة الدستور، مع انفتاحه على مناقشة سلاح المقاومة الذي هو شرفنا وهو عزنا، رابطاً ذلك بالتزام العدو الإسرائيلي ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن لبنان نفّذ ما عليه و”إسرائيل” أصرت على استمرار إطلاق النار، رافضاً رمي كرة النار في حضن الجيش اللبناني الذي اعتبره درع الوطن.
ولفت نظر من يعتبرون الحرب التي يشنها العدو الإسرائيلي أنها تستهدف الطائفة الشيعية، أن القرى المدمرة سكانها من كل الطوائف، وأن العدو لا يفرق بين طائفة وأخرى، فحقده يطال الجميع، وأن المعركة معه يجب أن تكون معركة كل اللبنانيين، محذراً من الأطماع الإسرائيلية التي باح بها رئيس وزراء العدو برغبته باحتلال لبنان، داعياً أدعياء السيادة والحريصين على10425 كلم2 التصدي لهذا المشروع والتعاون بين اللبنانيين من أجل إفشال هذا المخطط.
بالمحصلة بإمكان اعتبار خطاب الرئيس بري خريطة طريق لإطلاق حوار عقلاني، ودعوة للتعاون من أجل إنقاذ لبنان فهل يلاقي اللبنانيون يد الرئيس نبيه بري الممدودة.
