دموع الاطفال وصوت الموت: حين تصرخ الانسانية ولا مجيب/ د. وشاح فرج
ثمة لحظات في التاريخ تقف فيها الإنسانية أمام امتحانها الأصعب، لحظات تعري الشعارات وتكشف الزيف. ومن أشد هذه اللحظات إيلاما أن ترى طفلآ جائعآ يمد يده الصغيرة نحو رغيف خبز، أو تسمع صرخته الممزقة من هدير طائرة تقصف سماءه. إن مشاهد الجوع والقتل والدمار لم تعد حوادث عابرة في نشرات الأخبار، بل أصبحت جرحآ مفتوحآ في قلب الانسانية، ووصمة عار على جبين عالم يتباهى بالتقدم والتكنولوجيا بينما يعجز عن إيقاف نزيف دم طفل أو دمعة يتيم.
ذلك الصوت المزعج الذي يشبه نحلآ معدنيآ ضخمآ، يحوم فوق رؤوس الأبرياء. الكبار قد يتظاهرون بالتماسك، لكن الأطفال لا يملكون سوى الصراخ. رأيت ذلك الطفل الذي وضع يديه الصغيرتين على أذنيه، ودموعه تنحدر على وجنتيه، يصرخ: كفى، لم أعد أطيق هذا الصوت! اي وجع أبلغ من هذا المشهد؟ أي إنسان يستطيع أن يراه ولا يرتجف قلبه؟
لقد أصبح صوت الطائرات المسيرة رمزآ للرعب، كأنه جرس موت يتردد صداه فوق القرى والمدن. لكن الأشد إيلاما ليس ضجيجها، بل صمت العالم أمام رعبها.
وراء كل طفل يبكي، أم تحاول المستحيل. أم تحتضن صغيرها لتقيه برد الخوف، تبحث بين الأنقاض عن بقايا طعام، أو عن جرعة ماء تنقذ حياة. كم من أم دفنت فلذة كبدها بيديها ثم اضطرت أن تجفف دموعها لتواصل العيش من أجل اطفال آخرين؟
أليس في قلب كل أم عربية أو غربية صدى لصرخات تلك الأمهات؟ كيف تترك المرأة لتواجه الموت والجوع وحدها، بينما يتفرج العالم ببرود؟
في كل حرب، يسقط الأبرياء أولآ. رجال ونساء وأطفال يتحولون إلى أرقام في نشرات الأخبار، لكن من يتذكر أن وراء الرقم حياة كاملة؟ أحلام صغيرة، ذكريات، أسماء، كتب مدرسية لم تفتح، وأغنيات كانت ترتل على أبواب البيوت.
أليس من الخيانة للانسانية ان نحول المأساة الى إحصاءات؟ هل نسي العالم أن كل ضحية هو عالم كامل انطفأ؟
اسوأ ما في الامر ليس الجوع وحده، ولا الخراب وحده، بل الخذلان. خذلان الأشقاء قبل الغرباء. كيف يسمح قادة الأمة ان تباد مدن عربية أمام أعينهم؟ كيف يلتزم العالم المتحضر الصمت، بينما يمارس الظلم والقتل أمام كاميرات الإعلام؟
أين الضمير العالمي؟ أين المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان؟ أين العرب الذين باعوا قضاياهم في أسواق السياسة وتركوا شعوبهم بين مطرقة الحرب وسندان الجوع؟
ما معنى الانسانية ان لم تتجسد في الرحمة؟ ما جدوى المؤتمرات والشعارات إن لم توقف دمعة طفل جائع أو تصون كرامة إنسان ضعيف؟ إن ما نشهده اليوم هو موت الضمير العالمي. لم يعد العالم يتألم بما يكفي كي يتحرك، ولم يعد يستفزه منظر دم أو جوع.
لكن الحقيقة أن هذه الصور ليست مجرد لقطات عابرة، إنها مرآة لقلوبنا. فكل دمعة لا نهتم بها، وكل صرخة نتجاهلها، تزيد من غربتنا عن جوهر إنسانيتنا.
قد يقول البعض: وماذا نستطيع ان نفعل؟ والجواب أن كل انسان قادر على فعل شيء. بالكلمة، بالموقف، بالمساندة المادية أو المعنوية، برفع الصوت عاليآ. التاريخ لا يذكر المتفرجين، بل يذكر من قال “لا” في وجه الظلم، ومن حاول أن يضيء شمعة في عتمة الموت.
إن دموع الأطفال الجائعين وصرخاتهم ليست قدرآ محتومآ، بل هي صرخة في وجه العالم أن يفيق من غفلته. وإذا لم نهتز نحن لهذه الصور، فمتى نهتز؟ وإذا لم يتحرك الضمير العالمي الآن، فمتى سيتحرك؟
لنجعل من هذه المشاهد المريرة وقودا لفعل الخير، ولنعيد لأنفسنا بعضآ من إنسانيتنا المفقودة. فالانسان بلا رحمة ليس إنسانآ، والانسانية بلا فعل مجرد وهم.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
