من صربا إلى ايطاليا … “السبعة الذين كانوا الأرض” يزرعون بذورهم في تربة العالم.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
مايا الشامي
في زمن تغلفه سرعة الصورة وضجيجها، ويبتعد فيه الإنسان تدريجيًا عن جذوره، خرج من بلدة صربا الجنوبية صوت مختلف صوت هادئ كهمس التراب، لكنه عميق ومؤثر، حملته أنامل طلاب Casa Culturale di Sarba ليحكوا قصة الأرض والإنسان بلغة الفن الصامت.
كان فيلمهم القصير، ” السبعة الذين كانوا الأرض – La Terra”، أكثر من مجرد تجربة سينمائية. كان عودة إلى الأصل، ونقطة التقاء بين الإنسان والطبيعة، حيث لا أسماء تسمى، ولا حوارات تقال، بل أرواح تمثل عناصر الحياة الأولى التراب الماء، الهواء النار، النبات الحيوان والإنسان.
هذه الرسالة الفريدة التي عبرت القارات، وصلت إلى مهرجان International Tour Film Festival
في إيطاليا، حيث تأهل الفيلم إلى النهائيات وحصد بفخر الجائزة الثالثة عن فئة الأفلام القصيرة، التي تجسد المادة التاسعة من الدستور الإيطالي.
المادة التاسعة … قصيدة دستور للفن والطبيعة
لا يمكن فهم هذه الجائزة من دون التوقف عند أهمية المادة التاسعة في الدستور الإيطالي. فهي ليست مجرد بند قانوني، بل إعلان حقيقي يؤمن بأن الدولة مسؤولة عن:
تشجيع الثقافة، دعم البحث العلمي، وحماية التراث الطبيعي والفني والتاريخي.
ورغم بساطة النص، إلا أنه يحمل روحًا عميقة ترى في الفن والمعرفة والتاريخ والطبيعة ركيزتين أساسيتين لبناء الوطن. فإيطاليا، مهد الحضارات والجمال، اختارت أن تكرس في دستورها حرمة الذاكرة، مؤمنةً أن التقدم الحقيقي لا يُقاس بالإسمنت وحده، بل بما يحفظ من قيم وجمال ومعرفة.
هنا، يتلاقى حلم الفيلم اللبناني مع روح المادة التاسعة فتأتي الجائزة رمزية، تحكي عن أرض تنزف لكنها لا تتوقف عن الحلم، وترى في الثقافة مقاومة هادئة ومصالحة مع الأرض في آن واحد.
فيلم صلاة بصرية بلا كلمات
” السبعة الذين كانوا الأرض “، لا يسرد قصة معتادة. لا أسماء، لا حوارات، لا حبكة. فقط صور تنبض بالحياة تحكي عن علاقة ضائعة بين الإنسان والطبيعة، تنادي لاستعادة هذا الرابط المقدس.
كل مشهد هو سؤال، وكل صورة مرآة صادقة تعكس واقعا نحتاج لمواجهته كيف ابتعدنا عن الأرض، وكيف أصبحنا غرباء في وطننا.
الكاميرا هنا ليست أداة تصوير فحسب، بل شهادة صامتة على جريمة تتكرر ببطء، جريمة تلوث وإهمال تستنزف كوكبنا.
من الرؤية إلى الإنجاز الجماعي
لم يكن هذا العمل ليكتمل من دون الجهد الجماعي . أشرفت على المشروع السيدة منى رزق، التي لم تفارق مراحل العمل منذ بدايته. تولى هادي بيطار تأليف الفيلم وإخراجه برؤية شعرية، بينما أبدع في إدارة التصوير علي فاعور، بدعم من مساعده محمد مروة . أضفى عباس حمزة بحرفيته في المونتاج الإيقاع الروحي الذي يحتضن الفيلم.
وأنتج الفيلم برعاية البيت الثقافي – صربا، وبدعم من وزارة الثقافة اللبنانية وبلدية صربا – النبطية، بمشاركة طلاب اللغة الإيطالية الذين أضافوا صدقا وعفوية إلى الأداء.
“السبعة الذين كانوا “الأرض” ليس مجرد فيلم نال جائزة دولية، بل شهادة حية على قدرة الإبداع اللبناني على عبور الحدود، حين تكون النية صادقة، والرسالة نابعة من جذور الأرض نفسها.
