بين الاستسلام والسلام… كلام
كتب محمد غالب غزالة
في عالم تتنازع فيه الشعوب بين نار الحرب ولهيب الصراعات، يختلط على الكثيرين معنى السلام الحقيقي بمعنى الاستسلام. فكلاهما يحمل في ظاهرهما الهدوء وغياب المعارك، لكن أحدهما يولد من الكرامة والعقل والحكمة، والآخر يولد من الضعف والانكسار والخضوع.
السلام ليس صمت البنادق فحسب، بل هو موقف نابع من قوةٍ داخلية، ومن وعيٍ بحقوقٍ لا تُباع ولا تُشترى. السلام الذي نريده ليس ورقة تُوقّع على الطاولة، بل هو إرادة الشعوب التي تقرر أن تبني مستقبلها بأيديها دون إملاءات.
أما الاستسلام، فهو قتلٌ باردٌ للروح قبل الجسد، وتخلٍّ عن الكرامة تحت شعار الواقعية أو المصلحة. هو قبولٌ بالهيمنة مقابل الأمن المؤقت، وتنازلٌ عن المبادئ مقابل فتات وعودٍ لا تدوم.
كم من أممٍ رفعت شعار “السلام” فوجدت نفسها بعد حين بلا أرضٍ ولا سيادة! وكم من شعوبٍ اختارت المقاومة الواعية فصنعت لنفسها مكانًا بين الكبار!
الفرق بين الاستسلام والسلام، هو تمامًا كالفرق بين أن تمد يدك للمصافحة أو أن ترفعها استجداءً. الأول فعل الكرامة، والثاني فعل العجز.
السلام يحتاج إلى قوةٍ تفرضه، لا إلى ضعفٍ يُنتجه. فليس كل من خضعَ سلِم، وليس كل من قاوم حارَب.
اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، علينا أن نُعيد تعريف مفاهيمنا. فحين يُراد لنا أن ننسى الحق باسم الواقعية، وأن نغضّ الطرف عن العدوان باسم التسامح، علينا أن نرفع الصوت ونقول:
نحن دعاة سلامٍ… لا عبيد استسلام.
فالسلام الحقّ لا يقوم على الإنكسار، بل على الاحترام المتبادل والعدالة.
سلامٌ يبنيه الأحرار، لا يفرضه الأقوياء.
سلامٌ يحفظ الحقوق، لا يُشرعن الباطل.
