لجنة «الميكانيزم»… بين إشراف وقف النار وتحوّلها إلى لجنة تصفية المقاومة
بُعيد اتفاق تشرين لوقف إطلاق النار، تشكّلت لجنة «الميكانيزم» للإشراف على تطبيق الاتفاق بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. لكن بعد عام على عمل اللجنة، التي ترأستها الولايات المتحدة، بدا جليًا أنّ مهمتها الفعلية لم تكن حفظ الهدنة بقدر ما كانت توظيف الآلية لضرب المقاومة والمدنيين اللبنانيين، مع ضمان حماية الجانب الإسرائيلي من إطلاق النار.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
نجحت هذه اللجنة في حشد الجيش الإسرائيلي والقوات الدولية والسلطة السياسية اللبنانية ضدّ المقاومة، وتولّت مهامًا تبدو نيابية عن إسرائيل؛ من تفجير أنفاق وقواعد عسكرية للمقاومة إلى مصادرة أسلحة، أو مصادرة ما يضبطه الجيش والقوات الدولية. وفي المقابل، لم تتخذ أي إجراءات فعّالة لوقف القصف والاغتيالات الإسرائيلية. وبعد أقلّ من 24 ساعة على بيان للجنة برعاية أمريكية، توغّلت قوات الجيش الإسرائيلي وأعدمت موظفًا في بلدية بليدا أثناء نومه.
أشادت اللجنة بعمليات تفتيش المنشآت اللبنانية وبـ«مهارة» تنفيذ المهام الموجّهة ضدّ المقاومة، متقاعصةً عن واجب طرد الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ومنع الاغتيالات، ووقف تدمير القرى والقصف الجوي الذي لم يعد يقتصر على جنوب الليطاني بل امتدّ إلى جنوب النهر الكبير في الشمال. وتتحدّث اللجنة عن «تحسّن» في تخفيف أسباب التوتر، بينما المقاومة لم تطلق رصاصة واحدة منذ عام، في مقابل استمرار القصف الإسرائيلي الذي يحرق لبنان — فعن أيّ تحسّن تتحدث اللجنة؟
هذه اللجنة الأمنية برئاسة أميركية تهدف، عمليًا، إلى تنفيذ مهمة القضاء على المقاومة في لبنان، بالتعاون مع حكومة لبنانية وقوات دولية وذراع عسكرية إسرائيلية. يمكن تشبيهها بلجنة دولية أشبه بتلك التي أديرت لغزة برئاسة «توني بلير»، لا سيما بعد إصرار واشنطن على انضمام وزراء ودبلوماسيين لبنانيين إليها كبديل خادع للتفاوض المباشر مع إسرائيل، في وقت تضمّ اللجنة فعليًا لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة.
ثمّة سؤال جوهري: لماذا لا يطالب ممثل لبنان في هذه اللجنة بوقف الاغتيالات والقصف، ولماذا لا يهدد بتعليق مهامه طالما أن إسرائيل لا تلتزم بوقف إطلاق النار؟ لماذا لا يُشترط أن يكون تنفيذ وقف إطلاق النار خطوة مقابل خطوة: مقابل كل تفجير لمنشأة عسكرية للمقاومة يجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي، ومقابل عدم إطلاق النار من المقاومة يجب وقف القصف والاعتداءات الإسرائيلية انطلاقًا من لبنان؟
هل يكتفي لبنان برضا أميركا وإسرائيل عن مداهمات منشآت المقاومة وتفجير صواريخها؟ لماذا لا يوقف لبنان تعاونه مع «الميكانيزم» حتى تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار؟
المقاومة صمتت طوال عامٍ، وقدّمت قرابين من الشهداء ورأت أهلها مشرّدين ويخسرون أبناءهم، ورغم ذلك مارست صبرًا بطوليًا لسحب أيّ حجة من السلطة السياسية والرأي العام الدولي والأحزاب والطوائف التي تؤيّد التوحش الإسرائيلي. لكنّ لجنة «الميكانيزم» بدت لجنة تصفية للمقاومة والمشروع المقاوم في لبنان، بشراكة رسمية لبنانية، بعد أن أصدر قرار رسمي يعتبر السلاح المقاوم «سلاحًا متمردًا» على السلطة. وبما أن الدولة عجزت عن مصادرته، لجأت إلى «الميكانيزم» للعمل على نزعه، مانحة العدو وكالةً للقيام بهذه المهمة.
يعيش لبنان احتلالًا سياسيًا أميركيًا برضا سياسيين وأحزاب وطوائف، واحتلالًا جويًا إسرائيليًا يقتل ويقصف من يشاء، وتحت وصاية لجنة «الميكانيزم» التي تصدر قراراتها عمليًا من السفارة الأميركية في «عوكر» رغم أن اجتماعاتها تُعقد في الناقورة — وقد لا يستبعد أن تُنقل هذه الاجتماعات إلى مبنى السفارة ذاتها.
الاستسلام السياسي أمام متطلبات «الميكانيزم» والإملاءات الأميركية والقصف الإسرائيلي يسهّل الإعدام البطيء للمقاومة في لبنان. لذلك، لا بدّ من تغيير الأداء السياسي في وجه هذا الحصار وفي ظلّ هذه الظروف الصعبة، ولو اقتضى الأمر التضحية — أفضل أن نموت دون أن نوقّع على وثيقة إعدامنا.
كان ينبغي على الوفد النيابي الموسّع للثنائية الذي زار رئاسة الجمهورية والحكومة للتأكيد على إجراء الانتخابات، أن يتحرّك العام الماضي واستنكر ما يتعرّض له الجنوب وطلب إعادة إعمارٍ حقيقية. لو انتُخب من يمثلون أمن وكرامة أهل الجنوب لكانوا قد عملوا لإعادة احتضان الجنوب وإعلانه أرضًا لبنانية بامتياز.
أول ورقة عمل ضرورية الآن: إعادة النظر بقرارات ومهام لجنة «الميكانيزم» ووقف شكرها على قتلنا. لجنة «الميكانيزم» ليست آلية حفظ سلام فحسب — بل أصبحت لجنة تنفيذية لتصفية المقاومة وتشريع القصف والاحتلال الإسرائيلي.
