أمريكا… الدولة اللبنانية فاشلة ودولة الحزب أقوى!/ د. نسيب حطيط
يواصل المبعوث الأميركي توماس براك توجيه انتقاداتٍ سياسية حادة ومكثفة للدولة اللبنانية، وللجيش والإعلاميين والمقاومة، فيما يلتزم المسؤولون والسياسيون والأحزاب اللبنانية صمتًا مطبقًا خشية التعرّض للعقوبات.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فقد أهان براك الإعلاميين أولًا، ثم أهان الجيش اللبناني واصفًا جنوده بأنهم “عمال ديليفري”، قبل أن يعلن لبنان “دولة فاشلة” في ظل غياب مصرف مركزي فاعل، مشيرًا إلى أنّ حاكم المصرف المركزي مطلوب دوليًا رغم إفراج الدولة عنه. كلّ ذلك وسط واقعٍ مأزوم يعاني فيه المواطنون من نقصٍ حادّ في المياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
وفي تصريحٍ خبيث، أشار براك إلى وجود دولةٍ أقوى من الدولة اللبنانية، وهي “دولة حزب الله” التي تؤمّن المياه والكهرباء وتدفع رواتب مقاوميها بأضعاف ما يتقاضاه الجندي اللبناني، معتبرًا أنّ عدد مقاتلي الحزب يقارب عدد أفراد الجيش اللبناني.
يمكن توصيف كلام المبعوث الأميركي بأنه مزيج من الحقيقة والتضليل: فهو محقّ في توصيفه فساد الدولة اللبنانية وفشلها في أداء دورها كدولة راعية، بعدما تحوّلت إلى دولة ناهبة لأموال المودعين تقتسمها النخب السياسية، لكنه في جوهره تحريض خبيث ضد المقاومة عبر مديحٍ مخادعٍ يُظهِرها كأنها دولة مستقلة، ما يضع لبنان في وضعٍ هجين تحكمه دولتان:
-
الدولة اللبنانية: فاشلة، فاسدة، وضعيفة، يتشارك في إدارتها جميع الأحزاب والطوائف والزعماء السياسيين. دولةٌ لا يُعوَّل عليها في تنفيذ أي قرار، كما حدث في ملف نزع السلاح، إذ أصدرت القرار وعجزت عن تطبيقه ميدانيًا. ومن هنا، تُمهّد واشنطن الطريق لتكليف جهةٍ أخرى – كإسرائيل أو قوةٍ دولية – بتنفيذه خارج إطار مجلس الأمن، في محاولةٍ لإقامة قوة ردع متعددة الجنسيات تعمل وفق المشروع الأميركي-الإسرائيلي.
-
دولة الحزب: دولةٌ قائمةٌ داخل الدولة، يحكمها الحزب دون شريك، وتُعتبر الأقوى ميدانيًا وتنظيميًا. تؤمّن خدماتها الخاصة من مياه وكهرباء ورواتب لعناصرها، وصمدت في وجه قرار نزع السلاح الرسمي، والحصار الأميركي، والقصف والاغتيالات الإسرائيلية لأكثر من عام، دون أن تُظهر أي استعدادٍ للتراجع أو الخضوع. وتمارس هذه الدولة سياستها وفق ما يمكن وصفه بـ “التقية السياسية الإيجابية” القائمة على الصبر والتحمّل، رغم الخسائر والتضحيات.
إنّ انتقاد واشنطن للدولة الرسمية ومدحها الضمني لـ”دولة الحزب” يكشف عن الأزمة العميقة التي تمر بها كلٌّ من أميركا و”إسرائيل”. فهما لم تحققا النتائج المرجوّة في لبنان رغم محاولات الهيمنة السياسية والاقتصادية، ولم تنجحا في فرض نظامٍ عميلٍ بالكامل كما في بعض الدول العربية. تدرك الولايات المتحدة أنّ الوقت ليس في صالحها، وأنّ نفوذها في لبنان يتراجع، بعدما فشلت في استثمار مكاسبها في سوريا للقضاء على المقاومة.
تتصرّف واشنطن اليوم بعصبيةٍ واضحة، تُهين حلفاءها في لبنان وتصفهم بالعاجزين، بعدما عجزوا عن تحقيق هدفها الأساس: إخماد المقاومة نيابة عنها. وتخشى الإدارة الأميركية من تكرار خسارتها في لبنان، لذا تتجنّب التدخل العسكري المباشر خوفًا من تكرار تجربة تفجير المارينز، فاستبدلت وجودها العسكري بـ”كوماندوس سياسي” يتّسم بالفشل والعجز والتخبط، يتبدّل أفراده بين “أورتاغوس” و”براك” دون نتيجة تُذكر.
إنّ أفضل ما يمكن للتحالف الأميركي–الإسرائيلي فعله اليوم هو إعادة تفعيل اتفاقية الهدنة، وإلزام “إسرائيل” باتفاق تشرين، مقابل تعهّد المقاومة بعدم استخدام سلاحها خارج الحدود اللبنانية إلا للدفاع عن النفس.
أما الإصرار على فرض اتفاق سلامٍ مهينٍ أو نزع سلاح المقاومة بالقوة، فلن يؤدي إلا إلى خسارةٍ جديدة للتحالف الأميركي–الإسرائيلي. فكما انسحبت “إسرائيل” عام 2000، ستنسحب مجددًا ولو في عام 2050، وستتراجع أميركا كما فعلت بعد تفجير المارينز.
إنّ المقاومة في لبنان تتميّز عن أيّ مقاومة عربية أو إسلامية أخرى، لأنها تستند إلى عقيدة إسلامية–حسينية وتتحرك وفق مبادئ الانتظار المهدوي، ما يجعلها لا تيأس ولا تستسلم مهما كانت الظروف.
نصيحتنا لأميركا و”إسرائيل”: اكتفوا بما حققتموه من مكاسبٍ خارج لبنان، ولا تطمعوا أكثر. لأنّ الإصرار على الحرب ضد المقاومة في لبنان سيجعلكم تخسرون كلّ ما أنجزتموه.
انتبهوا… لا تعاملوا لبنان كما تعاملون بقية العرب!
