المعادلة المسيحية في مشهدية انتخابات 2026: بين استعادة الدور وتراجع الشرعية التمثيلية!!
كتب المحامي الدكتور وسام صعب :
مع بدء اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقرّرة في أيار 2026، تتجه الأنظار إلى الساحة المسيحية التي تستعدّ لاستحقاق مفصلي يعيد رسم موازين القوى داخل البيئة السياسية اللبنانية. فالمواجهة المرتقبة بين «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحرّ» تتجاوز بأبعادها الإطار الانتخابي البحت لتمتد في جوهرها إلى الدور المحوري للمسيحيين في التوازن الوطني داخل الدولة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى تغيّر نوعي في المزاج المسيحي خلال العامين الأخيرين. فـ«القوات اللبنانية» تبدو في موقعٍ متقدم بل ومتفوق داخل الشارع المسيحي، مستفيدة من خطاب سيادي ورؤية سياسية اصلاحية، كما ومن رصيدٍ معارِض نأى بها عن تبعات الانهيار الاقتصادي والمالي.
في المقابل، يواجه «التيار الوطني الحرّ» تحدّيات متراكمة ناجمة عن مشاركته الطويلة في السلطة، وعن تحالفاته المتبدّلة التي أضعفت قدرته على الحفاظ على خطابه الإصلاحي الأول، ما انعكس تراجعًا في حضوره داخل بيئته الشعبية والسياسية كانت تُعدّ حصونه التقليدية.
فالمواجهة المقبلة قد تتمحورحول عناوين الشرعية التمثيلية للمسيحيين ومن هي الجهة السياسية الأكثر تعبيرا عن المزاج الشعبي لهذه البيئة؟
فالقوات تطرح نفسها كامتداد طبيعي لخطّ «الدولة القادرة والقوية» انطلاقا من رؤية سياسية واضحة في مقاربتها لكل المسائل المطروحة، فيما يحاول التيار استعادة المبادرة من خلال تجديد خطابه الإصلاحي وإعادة التموضع ضمن خريطة التحالفات الوطنية. غير أنّ تقلّص قاعدة التيار في المزاج المسيحي العام ، وتراجع قدرته على الاستفادة من تحالفاته السابقة، يُضعف موقعه التفاوضي والتمثيلي على حد سواء في السباق الانتخابي المقبل.
لذا يدرك الشارع المسيحي جيدا أنّ المعركة الانتخابية المقبلة لا تُخاض بالوعود والشعارات، بل بالمصداقية السياسية. فـ«التيار الوطني الحرّ» مطالب بتقديم رواية جديدة لمساره في الحكم، تميّز بين مشاركته في السلطة على مدى أعوام وبين تحميله تبعات الانهيار. أما «القوات اللبنانية»، فهي مدعوّة بالمقابل لتوظيف رصيدها ضمن رؤية عملية تتجاوز النقد السياسي إلى المساهمة في إنتاج انماط حكم غير تقليدية أو طرح بدائل واقعية قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، فإن انتخابات 2026 تحمل في طياتها إمكان إعادة رسم المشهد المسيحي ـ السياسي. فإذا نجحت «القوات اللبنانية» في ترجمة حضورها الشعبي الوازن إلى تمثيل نيابي متقدّم، فستتحول إلى القوة المسيحية الأولى داخل المجلس النيابي المقبل. أما إذا تمكن «التيار الوطني الحرّ» من استعادة جزء من قاعدته عبر خطاب تصالحي وتعبوي جديد، فسيحافظ على موقعه نوعا ما كقوة موازنة داخل الساحة المسيحية.
وفي الحالتين، ستبقى نسبة المشاركة المسيحية والمزاج الشعبي العام المحدِّد الأساسي لمسار التوازنات الوطنية المقبلة، لا سيما في ظلّ احتدام الصراع على هوية لبنان السياسية ودوره الإقليمي.
وعليه،
ليست المواجهة المرتقبة بين «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحرّ» مجرّد تنافس انتخابي، بل اختبار حقيقي لقدرة المسيحيين على إعادة تقييم دورهم في النظام السياسي اللبناني. فالمعركة المقبلة تختصر جدلية «التمثيل والشرعية» ومن يمتلك القدرة على ترجمة الخطاب السياسي إلى مشروع دولة متكامل الأوصاف. وهذا يتوقف على قدرة الأحزاب المتنافسة في ان تستقطب من حولها السواد الاعظم من الشارع المسيحي المتطلّع إلى استعادة مكانته في الدولة.
وإذ تقترب صناديق أيار 2026، يبدو أنّ الساحة المسيحية مقبلة على لحظة حسم تاريخية ستحدّد ليس فقط هوية الممثّل الأول للمسيحيين، بل موقعهم في توازنات الجمهورية اللبنانية المقبلة.
