كتبت آية يوسف المسلماني
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في الجنوب، لا يُقاس الوجع بعدد الصواريخ، بل بعدد الأشجار التي تسقط واقفة.
يستيقظ الناس على دخانٍ لا يعرفون مصدره.
تشتعل الحقول كأنها تثأر، وكأن الأرض سئمت الانتظار، فقررت أن تصرخ بالنار بدل الكلمات.
يقولون: شجرة الزيتون تشبه المرأة، تحتاج من يعتني بها، من يسمع أنينها حين يعبر النسيم فوق أوراقها اليابسة.
لكن الجنوب اليوم امرأة مجروحة، يلتهمها اللهب مرّة من الخارج، ومرّة من الداخل.
نيران إسرائيلية تترك في التراب ندوباً لا تُشفى، ونيران أخرى غامضة، بلا ملامح ولا منطق، كأنها خرجت من رحم الإهمال، من رماد الإدارات التي لا ترى، ومن عجز الدولة التي تتفرّج على احتراقها كما يتفرّج الغريب على فيلمٍ بعيدٍ عنه.
تتقد الحقول بلا سبب، أو ربما بألف سبب لا يُقال.
قد يكون السبب وجع الأرض، أو خذلان الإنسان.
الحرائق لا تلتهم الشجر فقط، بل الذاكرة.
كل شجرة تحترق هناك، هي بيتٌ قديم، وصوت أم، ودفتر مدرسة كان ينتظر العودة.
في دخان الجنوب، تختنق القصص الصغيرة، حكايات القرى التي ما زالت تصحو على رائحة التراب المبتل بالدموع، لا بالمطر.
الجنوب لا يحتاج فقط إلى من يطفئ ناره، بل إلى من يصغي لنبضه.
من يدرك أن الأرض حين تحترق، لا تطلب ماء فقط، بل تطلب اعترافاً بأنها حية، وأنها تستحق الحياة.
إنه المكان الذي علّم لبنان معنى الصمود، ومع ذلك، تُترَك جراحه مكشوفة للريح.
كأن اليد التي حملت الوطن، لم تجد من يحملها حين تعبت.
ومع ذلك، يبقى الجنوب وفيّاً.
من رماده تنبت الحقول من جديد، ومن وجعه تنمو الأناشيد.
هو امرأة لا تموت، مهما اشتعلت فيها النيران.
تُطفئ دموعها بيد، وتزرع بالأخرى غصناً أخضر كي لا يُقال إن الألم انتصر.
سيبقى الجنوب ذاكرة هذا الوطن،
وسيبقى السؤال الموجع معلّقاً في دخان الحرائق:
إلى متى سنترك الأم المجروحة تُطفئ نفسها وحدها؟
