| عبد الحليم حمود |
تهمسين للملح: “شايف البحر شو كبير؟” فيتمدّد الموج مثل صفحة كتاب يفتح صدره للحالمين. تغنّين للنوارس: ” مَرَاكبنا عَالْمينا .. يا رجعة الصواري
قلبي ناطر عالْمينا .. وحبيبي مَنّو داري”.
نقف نحن على حوافّ الميناء، نشعر بأنّ صوتك منارة المرافئ فيقود القبطان سفينته، مانحاً الموج بريقاً يليق بالبحّارة العائدين من سفر الزمان.
حين تغنين، تمشي بيروت خلفكِ حاملة قنديلها. في المساء وحدها، تُسدل شعرها فوق صخرة تشبه بحّاراً قديماً. تقفين على أطراف الوادي وتندهين لشادي، تخبرين الجبل البعيد أنّ “حبايبنا” يختفون خلفه، لذلك تغنّين للطير عَ أطراف الوادي، لأنّ قلبك موجوع وما بيقول علّي بيوجعو. تتمشّين صوب البيوت واعدة: “سنرجع يوماً إلى حيّنا”، إلى “زهرة المدائن” و”شوارع القدس العتيقة”.
فيروز ترتدي إسوارة العروس المشغولة بالذهب، تعتمر القمطة العنبيّة، ويُرفرف شالها بالحارة وعالنسمة شال.
تحدّق فيروز بالغيم، تفتح ذراعيها بالدعاء: “شتّي يا دنيي تَ يزيد موسمنا ويحلى، وتدفق ميّْ وزرع جديد بحقلتنا يعلى”. ثم تبشّر الفلّاحين: “رجعت الشتوية”.
مثل طير الوروار تطوفين جنوباً، حيث القرى تحمل في أصواتها رائحة الدخان والزعتر، وحيث الليطاني يجري مثل وترٍ مرتجف. هناك، يصبّحكِ جبل صافي بالدحنون والطيّون، ويضعكِ في صدره خرزةً زرقاء، ليدعكِ تجولين في دمار ميس وكفركلا وحولا وعديسة، فتتلين صلاتك: “خلصوا الأغاني هني و يغنوا عالجنوب.
خلصوا القصايد هني و يصفوا عالجنوب. و لا الشهدا قلّوا و لا الشهدا زادوا. و اذا واقف جنوب واقف بولادو”.
عند الغروب نسمع بترا في قلاع صور وصيدا، ونمشي معها بين الزيتون كأنّ لحنها يعلّم الحور فنّ الوقوف، والزيتون اعتصار الضوء في القناديل.
في مشغرة يرتفع قمركِ معانقاً بدر وادي التيم، فتُصبحون معاً جوقة ترنّم: “أنا لحبيبي وحبيبي إلي”.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ثم تهبطين هياكل بعلبك، توقظين شمسها، وجبيتير الذي صفّق لكِ كثيراً ليشاكس باخوس المترنّح على الأدراج.
معكِ نحن يا زيّون، نمدّ أيدينا لندفش سيّارة البلد اللي مش عم تمشي، صوب ورشة التصليح، وما منعرف وينيّي الورشة. “يصطفلوا شو ما صار يصير، وخلي هالزير بهالبير يا مختار المخاتير”.
ما أبهاكِ يا أمّ زياد، يا نهاد، وأنتِ تبتسمين، فيرقص طريق النحل من تنورين إلى حملايا وميس الريم، وجبال الصوّان، لتبيعين الخواتم بين جسر القمر وجسر اللوزيّة.
