شعارات الإخوان المسلمين والجماعات التكفيرية… بين النظرية والتطبيق
كتب الدكتور نسيب حطيط:
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
سقط الإخوان المسلمون والجماعات التكفيرية في فخّ التناقض بين الشعارات التي رفعوها عند التأسيس، وبين الممارسات التي انتهجوها عند وصولهم إلى السلطة. وقد ظهر هذا التناقض بوضوح في تجربتَي الحكم في مصر وتونس، حيث تعرّض الإخوان لامتحانهم المركزي: التطبيع والموقف من العدو الإسرائيلي.
فلم يختلف الإخوان في مصر، خلال رئاسة محمد مرسي، عن نهج أنور السادات الذي وقّع اتفاقية كامب ديفيد. وبعد أكثر من أربعين عامًا، أقرّ الإخوان تلك الاتفاقية. بل وجّه “مرسي” رسالة إلى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز خاطبه فيها بعبارة: “عزيزي وصديقي العظيم”… مع العلم أنّه لا عظيم إلا الله سبحانه وتعالى، وختم رسالته بتوقيع: “صديقكم الوفي”.
أما التجربة الثانية في تونس، فلم تكن سوى نسخة مكرّرة عن تجربة الإخوان في مصر. فقد رفضوا إقرار قانون تجريم التطبيع، وسمحوا بالزيارات إلى المزارات اليهودية، وأظهروا انقلابًا عقائديًا وسياسيًا على كل شعاراتهم التي رفعوها لعقود. وكشفوا عن حقيقة أهداف الجماعة التي تأسست قبل أكثر من مئة عام، إذ خاضت معارك لإسقاط الأنظمة بحجة “الجاهلية المعاصرة”، ورفعت شعار “الإسلام هو الحل”، لكنها قاتلت الأنظمة التي كانت تواجه إسرائيل، وهادنت الأنظمة التي كانت على الحياد أو المتواطئة مع العدو الإسرائيلي.
وبمراجعة تاريخية لمواقف جماعة الإخوان، وكذلك حزب التحرير، يتضح أنه لم يكن لهما أي دور فعلي في دعم القضية الفلسطينية منذ عام 1948، ولا أي مشاركة جدّية في العمل المسلح ضد العدو الإسرائيلي أو الاحتلال الأميركي. وحتى حركة حماس التي وُلدت من رحم الإخوان، جاءت كنسخة معدّلة على مستوى الموقف من إسرائيل والمقاومة المسلحة.
الجماعات التكفيرية من “الأفغان العرب” إلى “داعش”… شعارات كبيرة وواقع معاكس
رفعت الجماعات التكفيرية — من الأفغان العرب والقاعدة إلى داعش وجبهة النصرة وامتداداتها — شعارات “إقامة الخلافة”، و”قتال الأميركيين”، و”تحرير القدس”، و”نصرة السنّة ضد الشيعة والعلويين”، و”مواجهة المرتدين”… لكن مراجعة حيادية لتاريخها تظهر أنها حصرت قتالها بقوى المقاومة التي تواجه إسرائيل وأميركا.
فهي قاتلت الاتحاد السوفييتي في أفغانستان حين كان ندًا لواشنطن. وهاجمت الدول والحركات المقاومة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران. ولم تُسجَّل لها أي عملية ضد العدو الإسرائيلي. بل إنّ بعض الانتحاريين من غزة والضفة فجّروا أنفسهم في سوريا والعراق بدلًا من توجيه سلاحهم نحو الاحتلال!
حتى عملياتها ضد الأميركيين، ساورتها شكوك كثيرة بكونها ضمن مخطط أميركي مدروس. وقد ظهرت حقيقة هذا الارتباط لاحقًا، إذ تحوّلت أميركا إلى “ولي أمر” الجماعات التكفيرية وأميرها المركزي، وبرز ذلك جليًا بعد إسقاط النظام في سوريا، وتنصيب أبو محمد الجولاني أميرًا لـ”النصرة”. ورغم تخصيص واشنطن مكافأة لاعتقاله، انتهى به الأمر في ضيافة البيت الأبيض وتحت رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مشهد شكّل تتويجًا لوظيفته ودوره.
لقد وصلت هذه الجماعات إلى سلوك واضح متحالف مع أميركا ومتقاطع مع المصالح الإسرائيلية ضد مشروع المقاومة، ومرّرت إسرائيل احتلالها لجبل الشيخ والجنوب السوري دون أي ردّ فعل منها.
سقوط الشعار… وولادة النسخة الأميركية ـ البريطانية من الإسلام
سقطت جماعة الإخوان والجماعات التكفيرية في فخّ النفاق السياسي والارتداد عن الأهداف. لم يكن “الإسلام هو الحل”، لأن الإسلام لا يبادل العدو الإسرائيلي السفراء. ولم تبقَ الجماعات التكفيرية “سلفية”، بل تحوّلت إلى جماعات “ربطات العنق”، والديمقراطية الأميركية، والقوانين الوضعية، واتفاقات أبراهام.
وظهرت النسخة الأميركية ـ البريطانية من “الإسلام الجديد” الذي يمهّد للديانة الإبراهيمية عبر بوابة اتفاقات أبراهام، بعد تفريغ الإسلام المحمدي القرآني من جوهره.
الخاتمة
إن الحرب ليست حرب حدود وجغرافيا، بل حرب حضارات وقيم أخلاقية وإنسانية. ومع توسع الجبهات وتشابكها، بات من الممكن أن يصبح شريكك في الوطن… أو جارك… جنديًا في جبهة عدوك!
فلنحفظ الإسلام من التحريف والتضليل، ولنعِ أنّ الصراع اليوم هو صراع هوية ومبدأ ورسالة قبل أن يكون صراع أرض وحدود.
