نحن جيل الثمانينات… حين كانت الحياة تصنعنا قبل أن نصنعها/ ناريمان علوش
نحن جيل الثمانينات…
جيلٌ كان يفتح عينيه على عالمٍ متعب، لكنّه يرى فيه ما يكفي من الدهشة ليُكمل الركض.
نحن أبناء زمنٍ فقيرٍ بالأشياء… غنيٍّ بالروح. زمنٍ لم تكن فيه السعادة تُشترى بثمن، بل تُلتقط من إشراقة ضوء، أو قطعة خبزٍ ساخنة، أو ضحكةٍ نجت من الخوف.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كبرنا بلا ضجيج التكنولوجيا، فكان لصوت خطواتنا معنى، ولهمسات البيوت سرّ، ولوجه أمّهاتنا عند الفجر قداسةٌ تسبق كل المعابد.
لم نعرف الالتفات وراء كل لحظةٍ لالتقاط صورة، فقد كانت الحياة تلتقطنا نحن، وتحفر ملامحنا في ذاكرتها قبل أن نكبر.
وأمّا ضوء الفانوس… ذلك الضوء الأصفر الممتلئ برائحة المازوت، المرتجف كقلب أمّ تخاف أن ينطفئ البيت قبل أن ينام أطفالها؛ كنّا نعلّقه في السقف، فنرى دوائر الضوء تتراقص على الجدران، كأن الليل نفسه يحرس طفولتنا.
ورائحة قشور الليمون المحترقة في الموقد كانت توحي لنا بطعم المواسم. لم نكن بحاجة إلى شمسٍ تشرق… فقد كنّا نصنع شمسنا بأيدينا، وتكفينا.
كان الشتاء موسمًا آخر للحكاية.
صوت المطر على السقوف كان الموسيقى الأولى التي تعلّمناها، والبرد المتسلّل من تحت الباب امتحانًا للصبر، والرعد الذي كنّا نخافه لوهلة، ثم نحوّله إلى أغنية نضرب لها بإيقاعٍ على صدورنا فتضحك أرواحنا رغم كل شيء.
وحين تنقطع الكهرباء، كان البيت يأخذ شكلًا آخر… أكثر حميمية، وأكثر صدقًا.
كنّا نقترب من الموقد كأن النار أمّ ثانية تضمّنا، وتنساب الحكايات من أفواه الكبار دافئةً مثل رغيف خارج للتوّ من الفرن.
في ذلك الظلام، كنّا نرى وجوههم أوضح، وحكمة الأيام أعمق، وقيمة الدفء أثمن من كل ما نملك اليوم.
نحن جيل الثمانينات…
جيلٌ تعلّم أن يصنع من القليل حياة، ومن الظلام نورًا، ومن الخوف أغنية، ومن الألم صلابة.
جيلٌ تربّى على الطرقات الترابية، وعلى السطوح التي عرفنا نجومها بالأسماء، وعلى البيوت الصغيرة التي كانت تتّسع للعالم حين نضحك.
كبرنا… نعم، لكنّ شيئًا فينا ما زال يركض حافيًا في ذلك الحيّ القديم، ويرفع رأسه نحو ضوء الفانوس، ويصفّق للمطر، ويجلس حول الموقد ليستمع إلى حكايةٍ تُروى بهدوء يشبه نبض القلب.
كبرنا…
لكن طفولتنا لم تكبر.
هي ما زالت هناك، تلوّح لنا من بعيد وتقول:
“هنا… بدأ كل شيء.”
