حين يعجز الذكاء الطبيعي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي معالجة الطائفية السياسية في لبنان؟
إعداد الباحثة القانونية , ماريا هشام عمون
للوهلة الأولى، عند قراءة هذا العنوان، قد يتساءل البعض: ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالطائفية السياسية في لبنان؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن، كباحثة قانونية ودستورية، أجد أن هذا الربط، رغم غرابته الظاهرية، يستحق التوقف عنده.
فالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان ليست أزمات منفصلة، بل تتداخل فيما بينها، ويرتبط جانب أساسي منها بطبيعة النظام السياسي وآليات توزيع السلطة وممارسة الحكم، وفي مقدّمها الإشكالية المرتبطة بالطائفية السياسية.
فلماذا لا نعرض على الذكاء الاصطناعي سؤالًا طالما عجز «الذكاء الطبيعي» عن تقديم إجابة حاسمة عنه؟
حين نقرأ المادة 95 من الدستور اللبناني، يتضح أن المشرّع الدستوري لم يتعامل مع إلغاء الطائفية السياسية باعتباره قرارًا يُتخذ دفعة واحدة، بل باعتباره مسارًا دستوريًا مرحليًا. فقد نصّت المادة على اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وفق خطة مرحلية، وعلى إنشاء هيئة وطنية تكون مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية ومتابعة تنفيذ الخطة. كما أكدت مقدمة الدستور أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: لقد حدّد الدستور اللبناني الغاية، ونصّ على اعتماد خطة مرحلية، وأوجد إطارًا مؤسساتيًا لدراسة الوسائل الكفيلة بالوصول إليها؛ إلا أن الانتقال من النص الدستوري إلى بناء خطوات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم يبقى الجزء الأكثر تعقيدًا في هذه المسألة.
ومن هذه النقطة تحديدًا يمكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى النقاش، ليس بوصفه بديلًا عن المؤسسات الدستورية، ولا بوصفه صاحب قرار سياسي، وإنما بوصفه أداة حديثة لدراسة الخطة المرحلية واختبار مساراتها المحتملة.
فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل كمّ كبير من النصوص الدستورية والقانونية والبيانات الانتخابية، ومقارنة التجارب الدستورية المختلفة، ورصد أوجه التشابه والاختلاف بينها، إضافة إلى محاكاة بعض السيناريوهات والنتائج المحتملة للخيارات الإصلاحية.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج حل جاهز للطائفية السياسية. فالمسألة اللبنانية ليست معادلة تقنية، ولا يمكن اختزالها في أرقام أو خوارزميات، لأنها ترتبط بتاريخ سياسي واجتماعي ودستوري معقّد، وبتركيبة مجتمعية تتطلب أن يبقى القرار النهائي بيد الإنسان والمؤسسات الدستورية.
لكن قيمة الذكاء الاصطناعي هنا تكمن في مكان آخر: في قدرته على تحويل بعض مراحل التفكير في الإصلاح من نقاش نظري إلى سيناريوهات قابلة للتحليل والمقارنة والمحاكاة.
وهكذا يصبح الربط بين الدستور والذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد مصادفة زمنية؛ فالدستور وضع الإطار: هدف وطني، وخطة مرحلية، وهيئة تدرس الوسائل وتتابع التنفيذ. أما التكنولوجيا الحديثة، فتقدّم أدوات يمكن أن تساعد الإنسان في دراسة تلك الوسائل وتحليل نتائجها المحتملة.
وفي النهاية، مهما بلغت قدرة الذكاء الاصطناعي على التحليل والمحاكاة واستشراف النتائج، يبقى عاجزًا عن القيام بالخطوة التي تتجاوز حدود التقنية نفسها.
فالطائفية السياسية لا تُلغى بخوارزمية، ولا تُعالج بتقنية، ولا تكفي النماذج التحليلية وحدها للانتقال من النص إلى التطبيق. فالقرار في النهاية يظل قرارًا بشريًا ودستوريًا ومؤسساتيًا.
قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقترح، وأن يحلل، وأن يحاكي، وأن يحذّر. لكنه لا يستطيع أن يختار نيابةً عن الإنسان اتجاه الإصلاح، ولا أن يحوّل النص الدستوري إلى واقع من تلقاء نفسه.
أما الإرادة، فتبقى العنصر الذي يمنح كل ذلك معنى.
وربما هنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد يساعدنا الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الطريق، وتحليل مراحله، ومحاكاة نتائجه؛ لكن عبور هذا الطريق يظل فعلًا بشريًا.
فيمكن للآلة أن تحاكي الطريق، لكنها لا تستطيع أن تمشيه.
