عندما يرفض اللبناني الجديد! وتختار بيروت أن تضيء العالم/ هنا علي
يستقبلُ اللُّبنانيُّونَ موسمَ الميلادِ بشغفٍ كبيرٍ، فزينةُ الأعيادِ ليستْ مجرَّدَ ديكورٍ موسميٍّ، بل مساحةُ فَرَحٍ يتمسَّكونَ بها وسطَ أزماتهم اليوميَّةِ. إنَّها فُسحةُ نورٍ تُعيدُ إلى الشوارعِ بعضَ الحياةِ، وتمنحُ الناسَ شعورًا بالانتماءِ، وتُحيي روحَ الميلادِ بما تحملُهُ من محبَّةٍ وسلامٍ ورجاءٍ. ورغمَ هذا الدورِ الإيجابيِّ، يبقى جزءٌ كبيرٌ من المجتمعِ اللُّبنانيِّ أسيرًا لنمطيَّةٍ راسخةٍ في ذوقِهِ الاحتفاليِّ، إذ يربطُ الكثيرونَ صورةَ العيدِ بالشجرةِ والمغارةِ والأجراسِ فقط، ويرفضونَ أيَّ محاولةٍ للخروجِ عن القالبِ المعتادِ.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وقد ظهرَ هذا الأمرُ جليًّا في ردودِ الفعلِ على زينةِ بيروتَ لهذا العامِ، رغمَ جمالِها ودقَّتِها. فالكثيرونَ لم يتقبَّلوا النمطَ المختارَ لأنَّهُ لا يُشبهُ ما اعتادوهُ. والحقيقةُ أنّ بيروتَ اعتمدت هذا العامَ فنًّا عالميًّا عريقًا يُدعى “لومينارِيِه – Luminarie”، وهو مصطلحٌ إيطاليٌّ يعني الإنارةَ الاحتفاليَّةَ. وقد نشأَ هذا الفنُّ في إيطاليا خلالَ الاحتفالاتِ المخصَّصةِ للقدِّيسينَ، حين كانت الساحاتُ تُضاءُ بالشموعِ والمصابيحِ الزيتيةِ، قبلَ أن يتطوَّرَ إلى هياكلَ ضخمةٍ من الخشبِ والمعدنِ تُحاكي العمارةَ الباروكيَّةَ بأقواسِها وقبابِها وزخارفِها. هذا النمطُ هو بالذاتِ ما اختارتهُ بيروتُ، لتُعلنَ انفتاحَها على الفنِّ العالميِّ، بدلَ الاكتفاءِ بالنمطِ ذاتهِ الذي يتكرَّرُ عامًا بعد عامٍ.
وتزدادُ رمزيَّةُ هذا الخيارِ عمقًا عندَ ربطهِ بزيارةِ البابا المرتقبةِ إلى لبنانَ في الأوَّلِ والثاني من كانونَ الأوَّلِ، أي في قلبِ شهرِ الميلادِ. فالـLuminarie ارتبطت تاريخيًّا بالاحتفالاتِ الدينيَّةِ، وبإضاءةِ الساحاتِ حول الكنائسِ، ما يجعلُ اختيارَ هذا النمطِ في بيروتَ رسالةً واضحةً بأنَّ المدينةَ تستعدُّ ثقافيًّا وروحيًّا لحدثٍ استثنائيٍّ. كأنَّ العاصمةَ تقولُ إنَّها، رغمَ جراحِها، ما زالت قادرةً على أن تكونَ مدينةَ نورٍ، تُزاوجُ بين التراثِ والإبداعِ، بين الشرقِ والفنِّ الأوروبيِّ المعاصرِ، وتؤكِّدُ مكانتَها كعاصمةٍ ثقافيَّةٍ وروحيَّةٍ للعالمِ العربيِّ.
غيرَ أنَّ كثيرينَ رفضوا الزينةَ قبلَ أن يُحاولوا فهمَ معناها أو تاريخها، وهو ما يكشفُ تمسُّكًا بنمطِ تفكيرٍ يخافُ التغييرَ، حتى عندما يكونُ التغييرُ مساحةً لإحياءِ الفنِّ وثقافةِ الحياةِ. فالمجتمعُ الذي يُطلقُ أحكامَهُ سريعًا، ويرفضُ المختلفَ فقط لأنَّهُ مختلفٌ، يحرمُ نفسَهُ من جماليَّةِ الاكتشافِ ومن تطوُّرِ الذوقِ العامِّ. ربَّما حانَ الوقتُ لنتعلَّمَ أنَّ الميلادَ ليس شكلًا واحدًا، وأنَّ الإبداعَ لا يُلغي التراثَ بل يُجدِّدُهُ، وأنَّ الفرحَ الحقيقيَّ قادرٌ على أن يظهرَ بألفِ صيغةٍ ما دامَ يحملُ نورَ الحياةِ.
وفي هذا السياقِ، تُصبحُ زينةُ بيروتَ فعلًا ثقافيًّا وروحيًّا، يلتقي فيه التاريخُ والفنُّ والحدثُ البابويُّ، لتقولَ المدينةُ مرَّةً أخرى إنَّها لا تزالُ تنبضُ رغمَ كلِّ شيءٍ، وتعرفُ كيف تجعلُ من النورِ رسالةً، ومن الزينةِ موقفًا، ومن الميلادِ مساحةً للتجدُّدِ والانفتاحِ لا للتكرارِ والنمطيةِ.
وكما قالَ البابا فرنسيس عن معنى الميلادِ الحقيقيِّ:
“الميلادُ هو أن نسمحَ للنورِ بأن يدخلَ حياتَنا، فيُبدِّلَها، ويُوقِظَ فينا الرجاءَ الدائمَ.”
