العلويّون… ومخاض الولادة الجديدة في سوريا/ د. نسيب حطيط
يواجه العلويّون في سوريا مخاطر وجودية عميقة تطال العقيدة والوجود والديموغرافيا، نتيجة فراغ سياسي وأمني شامل أعقب سقوط النظام الذي كان يُصنَّف بأنه «علوي»، في ظل غياب أي راعٍ أو حليف، وتزامن ذلك مع اندفاع الجماعات التكفيرية، وبعض المجموعات من الشعب السوري «السنّي»، نحو الانتقام بحجة إسقاط نظام حكم استمر خمسين عامًا ووُصف بأنه طائفي، رغم أن معظم جيشه ووزرائه ومسؤوليه وإداراته كان من أهل السنّة!
صمتَ العلويّون لعامٍ كامل على المجازر والاعتقالات وما رافقها من خوف ورعب. ولا يزال كثير من أبنائهم من الجنود والضباط الذين سلّموا أنفسهم طوعًا ضمن «تسويات»، معتقلين في سجون «النظام الجديد» أو مجهولي المصير، غير معروف ما إذا كانوا ما زالوا أحياءً أم دُفنوا في مقابر سرية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
استفاق العلويّون على زلزال سقوط النظام المفاجئ، بلا إنذار أو تحذير، ليجدوا أنفسهم فجأة بلا قيادة، بلا جيش، بلا أجهزة أمنية، وسط جحافل من التكفيريين متعددي الجنسيات، وما رافق ذلك من نهب واغتصاب وتعديات، بعدما سلّموا سلاحهم استجابةً لمطالب السلطة الجديدة. وهكذا، وفي مجازر الساحل، خسروا الأمان والسلاح والوظيفة، وتحولوا إلى طائفة مُستضعَفة مطوَّقة بالرعب، يدعو البعض إلى الانتقام منها، رغم أن الغالبية الساحقة من أبناء هذه الطائفة لم تستفد أبدًا من النظام، وتشهد على ذلك قراهم الفقيرة وبيئتهم المتواضعة.
ثلاثة مخاطر استراتيجية تواجه العلويين في سوريا:
1- الخطر العقائدي
تتعامل الجماعات التكفيرية والسلطة الجديدة مع العلويين باعتبارهم «كفّارًا» خارج الملّة، وتصرّ على تطبيق ما تسميه «الأحكام الشرعية» بحقهم، من خطف وسبي للنساء، ومصادرة للأموال، ومحاولات لإجبارهم على تغيير معتقدهم.
2- الخطر الديموغرافي
تستهدف هذه القوى وجود العلويين في المنطقة الساحلية الغنية بالنفط والغاز، أي ساحل سوريا المطل على المتوسط، والتي تحولت اليوم إلى محور صراع دولي بين:
-
روسيا الباحثة عن حصتها الاستراتيجية،
-
تركيا الساعية إلى مكاسب جيوسياسية،
-
الولايات المتحدة التي أدارت الحرب على سوريا،
-
إسرائيل في الجنوب السوري،
-
ودول خليجية تتطلع إلى الانتقام من «سوريا الأسدين» وتريد تأمين خطوط قطارات وأنابيب غاز بين الخليج وإسرائيل، لجعل الأخيرة بوابة التجارة نحو العالم.
3- خطر الوجود والبقاء
يتعرض العلويون لخطر التهجير والاجتثاث لأنهم ما زالوا يرفضون فتح قنوات تعاون مع إسرائيل، خلافًا لدروز السويداء. وقد نجحوا حتى الآن في إدارة الأزمة بتقليل الخسائر، عبر استيعاب الضربات وتجنب ردود الفعل، ورفض الانجرار إلى التطبيع، وتمكنوا مؤخرًا من إعادة تشكيل «قيادة دينية» لأول مرة منذ 50 عامًا، بعد انتقال النفوذ من السياسيين إلى رجال الدين. هذا التحول منح القيادة الجديدة شرعية أوسع وحشدًا أقوى داخل الجمهور العلوي.
التحركات العلوية الأخيرة: رسائل بأبعاد متعددة
شهدت المناطق العلوية أمس مظاهرات سلمية واسعة استجابة لنداء الرئيس الروحي للطائفة، وحققت ما يلي:
-
كسر حاجز الخوف والانتقال من مرحلة الانكفاء إلى الظهور العلني.
-
ترسيخ شرعية القيادة الدينية وإثبات قدرتها على تمثيل الطائفة سياسيًا.
-
اعتماد الحراك السلمي الذكي وتجنب السلاح لمنع تبرير المجازر ضدهم كما حصل سابقًا.
-
طرح مشروع سياسي واضح يقوم على الفيدرالية واللامركزية لحماية التنوع والأقليات، في ظل تشكّل ملامح سوريا الفيدرالية:
إقليم درزي جنوبًا، كردي شرقًا، علوي ساحليًا، وسنّي في الوسط.
أوراق القوة التي يمتلكها العلويون
-
امتدادهم الديموغرافي في تركيا، مما يمنحهم دعامة وعمقًا استراتيجيًا.
-
وجودهم على الساحل السوري الذي يشكل عصب الثروة والاتصال بالعالم.
-
حاجة القوى الدولية لجعل الساحل «منطقة آمنة» أو محمية لتقاسم الثروات بين أميركا وروسيا وتركيا وإسرائيل.
خلاصة
إن مصلحة العلويين اليوم تفرض عليهم:
-
البقاء في دائرة الحراك السلمي،
-
تعزيز وحدة الصف،
-
إطلاق تحرك منظم للعلويين في الخارج لدعم حقوقهم في المحافل الدولية،
-
وإعلان استقلالية قرارهم السياسي والديني.
فالمخاض صعب… لكن الولادة الجديدة ممكنة، إذا استطاع العلويون حماية وجودهم، والحفاظ على سلامة مجتمعهم، والمساهمة في صياغة مستقبل سوريا الجديدة.
