عملية “بيت جن” بين الحادث الفردي… وبداية المقاومة السورية!
يمكن اعتبار عملية “بيت جن” البطولية بصيصَ أملٍ في المشهد السوري والعربي، إذ تشير إلى أنّ الذاكرة الجماعية للسوريين لا تزال تحتفظ بالعداء لإسرائيل، سواء على المستوى العقائدي أو الانتماء القومي. كما يلفت الانتباه توقيت العملية الذي تزامن مع الذكرى السنوية الثانية لطوفان الأقصى، والذكرى السنوية الأولى لحرب لبنان، ومع إسقاط النظام في سوريا، لتكون بمثابة إنذار وتنبيه للعدو الإسرائيلي بأن ما حقّقه من مكاسب في الجغرافيا السورية واللبنانية والفلسطينية، وجميع انتصاراته، تبقى مؤقتة وظرفية وقابلة للتراجع إذا بادرت فصائل المقاومة إلى لملمة ما تبقى من قدراتها، وتجاوز خلافاتها مع بعضها أو مع الجماعات التكفيرية والأنظمة الأخرى.
ليس مستغربًا وجود مقاومة سورية، على مستوى الأفراد أو الجماعات؛ بل المستغرب هو الصمت السوري تجاه الاعتداءات والتحركات العسكرية الإسرائيلية التي طالت العاصمة دمشق، مع تفهّم الصدمة التي يعيشها الشعب السوري وأحزابه التي لم تستوعب بعد مفاجأة إسقاط النظام. إلا أن ذلك لا يبرّر الصمت والتخاذل وعدم التحرّك. والمثير للاستغراب أيضًا صمت الفصائل الفلسطينية المقاومة التي تمتلك العديد والمنشآت في سوريا، وبعضها كان منسّقًا مع النظام دعماً له أثناء محاربته الجماعات المسلحة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ولا يمكن التعويل على النظام الجديد لإعلان الحرب على إسرائيل، لافتقاره إلى القدرات بعد تدمير إسرائيل كامل الترسانة السورية، وبسبب اعتراف رعاته به ومساعدتهم له وشطبه من لوائح الإرهاب، شرط ألا يكون عدوًا لإسرائيل، في الوقت الذي يعلن فيه أعداؤه دعمهم لحركات ودول المقاومة.
لقد كشفت عملية “بيت جن”، وما سبقها من توغلات واحتلال إسرائيلي لجبل الشيخ والجنوب السوري، عن عدة أمور مهمة:
-
أن إسرائيل لا تكتفي بإعلان استسلام النظام والشعب مقابل النجاة من القصف والإذلال والاحتلال والاعتقال.
-
أن إسرائيل تفرض على المعارضة والجماعات التكفيرية تسديد ديونها لها، فهي من قدّم لها الدعم ضد النظام، واستقبل مقاتليها في مستشفياته.
-
أن العملية كشفت الوجه الحقيقي للإسلام التكفيري المدعوم أميركيًا، وفضحت عقيدته التي تدّعي إحياء حكم الله، بينما تهاجم كل من يقاوم إسرائيل بدل مواجهتها. وقد شكّلت العملية اختبارًا عقائديًا وسياسيًا للنظام الجديد وكل الجماعات التكفيرية، السورية منها والوافدة.
-
أن إسرائيل ليست قوة لا تُقهر، بل دولة هشّة وضعيفة تستمد قوتها من ضعف العرب والمسلمين وتخاذلهم وتشتتهم وتآمر بعضهم معها ضد قوى المقاومة. كما يظهر العجز الإسرائيلي جليًّا في عجزه عن استيعاب الجغرافيا الواسعة التي ضمّها إلى فلسطين المحتلة، خاصة إذا قاوم أهلها ولم يستسلموا، واستنزفوا جيش الاحتلال الذي لا يقوى على خوض حرب طويلة لسنوات عديدة.
يبقى السؤال: هل يستيقظ السوريون، بكل طوائفهم ومذاهبهم وأحزابهم، على أنهم يقفون أمام منعطف حاسم سيحدّد مصير وطنهم ومصيرهم؟ فإمّا أن يحافظوا على وطنٍ موحّد له سيادته وكرامته وأمنه، وإمّا أن يتحولوا إلى شعبٍ لاجئ في وطنه ومشتت في أصقاع العالم.
إن تأسيس وانطلاق المقاومة السورية ضد إسرائيل هو المدخل الرئيسي لحماية سوريا وشعبها وثرواتها. ويمكن البناء على عملية “بيت جن” كي لا تكون مجرّد حادث فردي عابر، بل بداية لمرحلة جديدة، خاصة بعد التفاعل الشعبي السوري—ولو كان محدودًا—تأييدًا للعملية، عبر إحراق العلم الإسرائيلي وتشييع الشهداء.
فهل تعمل قوى المقاومة الفلسطينية والسورية، التي تنتمي إلى عقيدة وخط واحد، على مشاغلة العدو في الجبهة السورية بالتنسيق والتكامل مع المقاومة اللبنانية، لتوحيد القوى على جبهة طويلة تمتد على الحدود اللبنانية – السورية؟
وهل توقد عملية “بيت جن” شعلة ثقافة المقاومة في سوريا، أم سيتم إطفاؤها بالنار الإسرائيلية، وحصار النظام، وفتاوى شيوخ “الديانة الإبراهيمية”؟
لم تنتهِ الحرب… ولن تنتهي. ولا يزال الوقت متاحًا لإعادة تجميع قوى المقاومة، شرط عدم تكرار الأخطاء السابقة (كالقتال المنفرد، وغياب التنسيق مع الحلفاء، والتردد، وسوء تقدير الرد الإسرائيلي)، وهي الأخطاء التي سهّلت على إسرائيل القضاء على فصائل المقاومة واحدة تلو الأخرى. فالمعركة المقبلة يجب أن تكون معركة كل قوى المقاومة في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن والعراق وإيران، وإلا فالأجدر عدم خوضها منفردين، لأن ذلك سيكون انتحارًا ويؤدي إلى تكرار الخسائر وربما ما هو أسوأ منها.
والبداية تكون عبر تأسيس جبهة مقاومة عربية – إسلامية – دينية – علمانية – قومية شاملة…
