“زيارة البابا لاون: من نداء الإمام الصدر إلى مسيرة الوحدة الوطنية”/ بقلم د. وشاح فرج
في يوم ينتظره اللبنانيون بقلوب مثقلة بالقلق ومحملة بالأمل، يحل على ربوع لبنان رسول السلام البابا لاون، في زيارة تحمل أكثر من معنى، وتفتح أكثر من نافذة رجاء. فهذه الأرض التي أنهكتها الأزمات، وتعرضت سيادتها لانتهاكات تكاد تصبح يومية، ما تزال صامدة، واقفة في وجه الاحتلال الذي لا يزال يهيمن على أجزاء من ترابها، رافعة راية الحق في وجه كل ظلم، ومتمسّكة بحقها في الحياة الحرّة الكريمة.
يأتي البابا إلى لبنان في لحظة دقيقة، حيث تختلط الأصوات المتعبة بأحلام الناس، وحيث يبحث اللبناني في كل بادرة دولية أو روحية عن بصيص ضوء يعيد إليه ثقته بوطنه وقدرته على النهوض. لذلك فإن هذه الزيارة ليست حدثا” بروتوكوليا” عابرا”، بل هي وقفة تضامن مع شعب أنهكته الأيام لكنه لم ينهزم، وشهادة دعم لوطن لا يزال يحمل رسالة السلام رغم الجراح. ولبنان الذي يفتح قلبه قبل حدوده لاستقبال البابا، هو لبنان الذي بشر به الإمام موسى الصدر: وطن المحبة والعدالة والتلاقي، وطن لا يقوم إلا بجناحيه المسلم والمسيحي، ولا يحلق إلا بوحدتهما. لقد آمن الإمام الصدر أن هذا الوطن رسالة، وأن أبناءه مهما تنوعت طوائفهم ومذاهبهم يشكلون أسرة واحدة، وأن العيش المشترك ليس شعارا” نظريا” بل قدر للبنان، إن سقط سقط الوطن برمته. وعلى خطى تلك الرؤية الوحدوية، سلك دولة الرئيس نبيه بري طريقا” وطنيا” واصل فيه مسيرة الحفاظ على السلم الأهلي، والدفاع عن الدولة ومؤسساتها، والعمل من أجل تثبيت الوحدة الوطنية باعتبارها الشرط الأول لصمود لبنان في وجه كل الأخطار. فمن موسى الصدر إلى نبيه بري، تبقى وحدة اللبنانيين هي الدعامة التي تحمي الكيان وتسمح له بمواجهة هموم الداخل وتحديات الخارج.
ونحن إذ نرحب بزيارة البابا لاون، نرجو أن تستنهض هذه الزيارة ضمير العالم، وأن تدفع المجتمع الدولي للنظر إلى لبنان بعين المسؤولية، فتدعيم صمود هذا البلد هو تدعيم لرسالة الاعتدال التي مثلها لقرون. نأمل أن تسهم الزيارة في تعزيز الاستقرار، ودعم مساعي السلام، وفتح باب جديد للتواصل الإنساني والروحي بين لبنان والعالم.
وفي هذا اليوم، نرفع العلم اللبناني عاليا”، رمزا” لوحدة شعب لا ينكسر، وندعو جميع اللبنانيين، من مختلف الطوائف والمناطق، إلى المشاركة في استقبال هذه الزيارة، ليس فقط تكريما” لشخص البابا، بل تأكيدا” على أن لبنان، رغم كل ما يمر به، لا يزال بلد اللقاء والمحبة، ولا تزال إرادته أقوى من محنته.
إن قدوم البابا لاون إلى لبنان هو فرصة لنجدد الإيمان بلبنان الرسالة، وبشعبه الذي لا يتخلى عن الرجاء، وبأرضه التي لا تزال تنبت أملا” مهما اشتدت العواصف. فليكن هذا اليوم يوما” للوحدة، ويوما” للرجاء، ويوما” نعيد فيه التأكيد أن لبنان، بكل أطيافه، قادر أن ينهض من جديد، وأن يظل وطنا” حرا”، سيدا”، مستقلا، كما أراده الأولون، وكما نريده لأجيالنا المقبلة.
