كتبت زهراء سويد
ليس لبنان مجرد بقعة صغيرة على خارطة العالم، ولا مجرد بلد يختصره حجمه الجغرافي الضيق. لبنان حكاية وطن اجتمع فيه ما تفرّق في أماكن كثيرة؛ بحر يلامس الجبال، طبيعة تتبدّل ملامحها بين الفصول، وبيئة غنية جعلت منه لوحة تجمع بين المتوسط والشرق. في هذا البلد الصغير، يمكن للمرء أن يرى البحر والجبال في مشهد واحد، وأن يلمس تاريخًا ممتدًا عبر آلاف السنين، من حضارات مرّت وتركت أثرها في كل زاوية.
لبنان لم يكن يومًا بلدًا عاديًا. موقعه الجغرافي جعله نقطة وصل بين الشرق والغرب، وجسرًا تجاريًا وثقافيًا وسياسيًا منذ القدم. هذا الموقع الذي كان من المفترض أن يكون نعمة، تحوّل مرارًا إلى سبب في معاناته، إذ جعل منه محورًا تتقاطع عنده المصالح والنفوذ والصراعات.
ولم تقتصر أهمية لبنان على موقعه وجماله الطبيعي فقط، بل ازدادت مع الحديث عن ثرواته البحرية وإمكاناته في مجال النفط والغاز في شرق المتوسط. هذه الموارد المحتملة أضافت بعدًا جديدًا إلى أهمية لبنان الاستراتيجية، وجعلت الأنظار تتجه إليه أكثر فأكثر، في منطقة تعج أصلًا بالتنافس على النفوذ والثروات.
لكن هذا الجمال، وهذه الأهمية، كان لهما ثمن باهظ. فمنذ عقود طويلة، لم يعرف لبنان استقرارًا حقيقيًا. نشأت أجيال كاملة على وقع الحروب والأزمات، وعلى مشهد وطن يحاول باستمرار لملمة جراحه بعد كل مواجهة. لم يكن بعيدًا عن صراعات المنطقة، بل وجد نفسه مرارًا في قلبها، يتلقى ارتدادات نزاعات تتجاوز حدوده.
من التدخلات الإقليمية إلى الاعتداءات الإسرائيلية والصراعات الداخلية، عاش لبنان مراحل متلاحقة من عدم الاستقرار، وكأن قدره أن يكون دائمًا في مواجهة تحديات أكبر من حجمه. وفي كل مرة، كان شعبه يحاول النهوض من جديد، متمسكًا بحقه في البقاء والحياة.
وسط هذا الواقع، ظهرت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين قناعة بأن الدفاع عن الأرض والسيادة ليس ترفًا سياسيًا، بل مسألة مرتبطة بالبقاء وحماية البلد من الاعتداءات والتدخلات. بالنسبة لكثيرين، نشأت فكرة المقاومة من هذا السياق، كاستجابة لواقع أمني وسياسي معقّد فرضته الظروف.
لكن، في المقابل، تبقى معادلة لبنان أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة دائمة. فالشعب اللبناني، الذي اعتاد الصمود، لا يريد أن يُختزل فقط في صورة بلد يعيش على حافة الحرب. اللبناني يحب الحياة، يحب الفرح، ويطمح إلى دولة مستقرة تحميه وتستثمر إمكانات بلده بدل أن يبقى غارقًا في الأزمات.
لبنان يستحق أكثر من أن يكون ساحة صراع. يستحق أن يُعرف بجمال شواطئه، بجباله، بثقافته، بتنوعه، وبقدرة شعبه على الإبداع والنجاة رغم كل الظروف. يستحق أن تُستثمر ثرواته لصالح شعبه، وأن يتحول موقعه من عبء جيوسياسي إلى فرصة للنهوض.
وفي خضم كل هذا، تبقى قناعة راسخة لدى كثير من اللبنانيين أن التمسك بالأرض ليس خيارًا مؤقتًا، بل جزء من معنى الانتماء نفسه. فطالما بقي هذا الشعب متمسكًا بوطنه، تبقى فكرة الدفاع عنه حاضرة في وجدانه، بأشكالها المختلفة، كترجمة طبيعية لحب الأرض والخوف عليها.
ولبنان، بكل مساحته الصغيرة التي لا تتجاوز عشرة آلاف وأربعمئة وخمسة وخمسين كيلومترًا مربعًا، ليس مجرد أرقام على خريطة، بل مساحة ذاكرة وهوية. من شماله إلى جنوبه، من جباله إلى بحره، كل شبر فيه يحمل قصة، وكل زاوية فيه تستحق أن تُصان.
أما الجنوب، فله مكانة خاصة في القلب؛ ليس فقط كجغرافيا، بل كرمز للصمود والتشبث بالأرض. ولهذا، يبقى حاضرًا في وجدان أبنائه كجزء لا يمكن التفريط به، أو التنازل عنه، مهما اشتدت الظروف.
في النهاية، حب لبنان لا ينفصل عن الإحساس بالمسؤولية تجاهه؛ مسؤولية حمايته، ومسؤولية بنائه في الوقت نفسه. فالوطن الذي نحبه، لا نحميه فقط، بل نصنع له مستقبلًا يليق بكل ما دفعه أبناؤه من أثمان
