التربية خط الدفاع الأخير: غضب الوزيرة وصحوة وطن!/ د. هنا علي
أعاد فيديو غضب وزيرة التربية فتح النقاش حول واقع القطاع التربوي في لبنان، إذ ظهر التوتر واضحاً حين وُجّه إليها سؤال عن مصير “البريفيه”، وهو سؤال اعتبرته الوزيرة استفزازياً وغير لائق في ظلّ الظروف الراهنة، مؤكّدة أنّ الوزارة قامت بواجبها في تجهيز المطلوب من مضامين المناهج. وقد تباينت ردود الفعل حول ما حصل، بين من رأى أنّ الوزيرة بالغت في انفعالها، ومن اعتبر أنّ السؤال في غير موقعه لأن البلاد تواجه أزمة تربوية غير مسبوقة. لكن خلف كل هذا الجدل، تبرز الحقيقة الأساسية: قطاع التربية يرزح منذ سنوات تحت ضغط اقتصادي وسياسي وأمني ونفسي خانق، ولا يمكن السماح له بالانهيار أو السقوط في الهوّة التي يريدها أعداء المعرفة. فبالعلم تُبنى المجتمعات، وبالمعرفة يُقاوَم الجهل، ويُستقبل التطور، وتُحصَّن الأجيال.
ورغم أنّ الظروف التي تحيط بالقطاع شديدة التعقيد؛ من أزمات مالية خانقة، إلى حرب ودمار ونزوح، إلى ضغوط نفسية تعيشها العائلات والمتعلّمون ؛ إلا أنّ الاستسلام غير وارد. فلا يجوز لمتعلمين أو معلمين أو أهالٍ أن يتحوّلوا إلى أشخاص بلا طموح ولا أهداف، لأنّ التعليم ليس خدمة ثانوية، بل هو عمود الوطن الأخير. ومن هنا، كان موقف الوزيرة بضرورة الاستمرار في العمل التربوي، مهما كانت الصعوبات، موقفاً يمكن فهمه في إطار محاولة حماية الحدّ الأدنى من استمرارية النظام التعليمي.
ونستذكر الاقتراح التي قدمته الوزارة عام 2025 الرامي الى إلغاء امتحانات البريفيه واستبدالها بامتحانات مدرسية وطنية موحّدة، فكرة مهمة تهدف إلى تخفيف العبء المالي الكبير الذي يتطلّبه تنظيم الامتحانات الرسمية في ظلّ الانهيار، وإلى المحافظة على قيمة الشهادة المتوسطة وجودة التعليم من خلال تقييم أكثر واقعية، ويستند هذا الاقتراح إلى متابعة المتعلّم خلال العام الدراسي، لا إلى امتحان واحد. هذا التوجّه ترافق مع جهود أخرى في تعديل المناهج مازالت تبذله السلطة التربوية حتى اليوم و يشرف المركز التربوي للبحوث و الإنماء على تحديث المحتوى ، في محاولة لربط التعليم بمهارات العصر وإعادة بناء الثقة بالنظام المدرسي.
لكن كل ذلك يجري في وقت يشهد فيه لبنان تقلصاً خطيراً في أعداد المتعلمين، مع ارتفاع معدلات التسرّب المدرسي بسبب الفقر، عدم قدرة الأهالي على دفع الأقساط أو النقل، الإضرابات، ضعف الأجور، وفقدان الاستقرار. الأزمة لم تعد تربوية فقط، بل أصبحت أزمة مجتمعية تهدد جيلاً كاملاً قد يفقد فرصة التعلم والاندماج، ويتحوّل إلى جيل يعاني من الأمّية المبطّنة وفقدان المهارات الأساسية.
إنّ موقف الوزيرة، أكان انفعالاً أو صرخة، يعكس حقيقة واحدة: لا مجال للترف في لبنان. فإما أن نحمي التربية، أو نخسر ما تبقى من مستقبل. والتحدّي اليوم ليس في الغضب بحدّ ذاته، بل في تحويل هذا الغضب إلى قرار وإرادة وإصلاح فعلي. فمن دون دعم جدي للمدارس، ومساندة للمعلمين، وتخفيف للأعباء على الأهالي، وإعادة الاعتبار لقيمة الشهادة، لن تتمكن أي رؤية تربوية من الصمود.
وفي هذا السياق، يبرز ما قاله عالم الاجتماع إميل دوركهايم: «إنّ المجتمع لا يمكن أن يعيش ويستمر إلا إذا وجّه نفسه عبر التربية، فهي الأداة التي تصنع الإنسان القادر على صنع المجتمع.» وهي عبارة تؤكّد أن الحرب الحقيقية ليست على الامتحانات أو المناهج، بل على وعي الإنسان وقدرته على الإنتاج والمعرفة.
وفي النهاية، تبقى التربية هي السلاح الأهدأ والأقوى في وجه الفوضى والانهيار. كل دولة تستطيع أن تعيد بناء طرق أو أبنية مهدّمة، لكن الدولة التي تسقط فيها التربية يسقط فيها الإنسان نفسه. لذلك، فإن حماية التعليم ليست خياراً، بل واجب وطني يوازي حماية الأرض والهوية تماماً.
