لبنان وسوريا بين التحالفات والخطوط الحمراء: قراءة في المشهد الإقليمي والسياسي/ آية يوسف المسلماني
تتحرّك المنطقة فوق أرض سياسية متقلّبة، وتتشابك الملفات في لحظة تبدو أكثر حساسية من كل ما سبق.
في قلب هذا المشهد، يعود السؤال الذي يحضر ثم يختفي ثم يعود بقوة أكبر: إلى أين تتجه العلاقات اللبنانية_الإسرائيلية؟
وسؤال آخر يوازيه في الأهمية: هل تشهد العلاقة بين حزب الله والمملكة العربية السعودية بداية مسار جديد بعدما أُغلقت قنوات التواصل لسنوات طويلة؟
في هذا السياق، يبرز تحرك ملموس على الأرض اللبنانية.
المساعد السياسي للرئيس نبيه بري، علي حسن خليل، سيتوجه قريباً إلى الرياض بدعم إيراني، بهدف ترتيب البيت الداخلي اللبناني من جهة، ومن جهة ثانية ترتيب العلاقة بين حزب الله والمملكة العربية السعودية. هذا التحول في المشهد بدأ فعلياً مع دعوة الشيخ نعيم قاسم قبل أشهر لفتح صفحة جديدة مع السعودية.
وبحسب بعض المصادر، تجاهلت المملكة العربية السعودية الدعوة في البداية، لكن بعد التطورات الأخيرة في سوريا وما يقوم به نتنياهو على الأرض، عاد الاهتمام السعودي بالملف اللبناني والحزب، وتشير المصادر إلى أنّه حصل أكثر من لقاء بين الأطراف اللبنانية والسعودية برعاية طهران، بهدف استكشاف آليات ترتيب العلاقة بين حزب الله والرياض.
وسط هذه التحولات، جاء تعيين شخصية مدنية للمشاركة في المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل ليزيد من منسوب الأسئلة. هل ما جرى مجرد إجراء بروتوكولي، أم خطوة صغيرة على طريق طويل قد يقود إلى مكان آخر؟
وهل يمثل هذا التعيين تنازلاً لبنانياً لإرضاء أمريكا على أمل تحييد الدولة من أي استهداف جديد للحزب؟
في سوريا، يظهر دور أحمد الشرع منذ توليه منصبه، حيث حرص على تجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل، لكن إسرائيل لم تترك الجنوب السوري وشأنه. من السويداء إلى بيت جن، التوغل الإسرائيلي يفرض نفسه بذرائع مختلفة: حماية الأقليات، مواجهة مجموعات مسلحة، أو منع تمدد نفوذ خصومها. في بيت جن، بدا التوغل محاولة لاحتلال منطقة جديدة، لكن أهالي المنطقة رفضوا الرضوخ، وبدأ النظام السوري يتحدث بخيارات أكثر حزماً من الدبلوماسية التقليدية.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن “من الصعب جداً أن يكون هناك اتفاق أمني مع إسرائيل وفي نفس الوقت نسعى لعلاقات جيدة مع الجميع”، وكأنه ألمح إلى الدور الإيراني، خاصة أن المعلومات تشير إلى وجود قناة تواصل بين إيران وأحمد الشرع عبر تركيا.
هذا التصعيد دفع الأطراف الإقليمية للتحرك، حيث التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره التركي هاكان فيدان، واتفق الطرفان على كبح جموح إسرائيل. وتشير المصادر إلى أن التحركات قد تؤدي إلى تحالف إيراني_تركي يجمع الجيش السوري مع حزب الله لمواجهة إسرائيل، بدعم سعودي محتمل غير معلن، بعد تراجع ثقة الرياض بسياسات واشنطن ورفضها الواضح لحل الدولتين.
في هذا المشهد المعقد، جاء الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليؤكد ثوابت الحزب ويضع النقاط على الحروف.
شدد الشيخ على أن المشاركة المدنية خارج إطار الدولة والسيادة اللبنانية ليست مقبولة، وأن أي تنازل مجاني لن يغيّر شيئاً في موقف إسرائيل، بل يزيد الضغوط ويضع لبنان تحت النار. وأكد أن الحزب سيبقى ثابتاً في حماية لبنان وأهله ودماء الشهداء، ولن يتراجع أمام أي تهديد خارجي.
الشيخ نعيم تحدث أيضاً عن الثوابت الوطنية والاجتماعية للحزب:
التفاف الناس حوله نابع من التزامه بالمشروع الإسلامي، ومن التربية الوطنية والأخلاقية، ومن دماء الشهداء والعلماء الذين أسهموا في بناء مجتمع مترابط. كما شدد على أن الاختلاف السياسي أمر طبيعي، لكنه يجب أن يُنظّم وفق الدستور والقانون، وليس عبر التخوين أو منح شهادات وطنية.
الخطاب كشف أيضاً أن الحزب لن يسمح بأي تجاوز للحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة ، وأن المشاركة المدنية في لجنة الميكانيزم تعتبر سقطة إضافية، لا تغيّر شيئاً في عدوان إسرائيل.
وأن أي تماهي مع العدو يعرض الجميع للخطر، بينما الثبات والتضحية يضمنان حماية السيادة والوطن.
السؤال الكبير يبقى: هل يمكن أن نجد الحزب وأحمد الشرع في خندق واحد لمواجهة التوسع الإسرائيلي
وهل تمثل التحركات الإقليمية الحالية بداية مرحلة جديدة من التحالفات، تشمل إيران وتركيا والسعودية، في مواجهة تهديد إسرائيل؟
وما هو مستقبل العلاقة بين السعودية وحزب الله بعد اللقاءات الأخيرة ورعاية طهران لهذه العملية؟
لبنان اليوم يقف بين ثبات الحزب، الضغوط الداخلية، وتحديات الخارج.
خطاب الشيخ نعيم أعاد رسم الخطوط، وحدّد الثوابت، لكنه ترك مساحة للتفكير في تحولات المنطقة المقبلة. أي خطوة مقبلة سواء في السياسة الداخلية أو على جبهة المفاوضات ستقاس بمدى احترام هذه الثوابت، ومدى قدرة لبنان على الحفاظ على تماسكه وسط العواصف الإقليمية.
