العالم يلفظ سياسات إسرائيل… وفي لبنان سلطة تبدو وكأنها تعيش خارج الواقع/ غنى شريف
في الوقت الذي تُجمع فيه استطلاعات دولية كبرى منها تقرير “Pew Research” لعام 2025 على أنّ صورة إسرائيل تتدهور عالميًا وتواجه رفضًا ساحقًا في أكثر من 20 دولة، يظهر لبنان بمشهد سياسي يكاد يكون نافرًا عن اتجاهات العالم، بل متناقضًا معها. فبينما ترتفع موجة الاستنكار الدولي لسياسات تل أبيب، تبدو الرئاسة الأولى ورئاسة مجلس الوزراء في بيروت وكأنهما تتحركان في عالمٍ آخر ، عالمٍ معزول عن نبض الشارع اللبناني، وعن دماء القرى الحدودية التي دفعت ثمنًا باهظًا في حرب الإسناد.
بعد حرب الإسناد… سلطة بلا ذاكرة وطنية؟
بعد وقف إطلاق النار وخرق اسرائيل لهذا الاتفاق واستهدافها الشبه يومي لابناء الوطن بيئة المقاومة المدنيين ، كان المتوقع أن تُترجم السلطة التنفيذية أعلى درجات الحذر، وأن تبني موقفًا صلبًا دفاعًا عن السيادة، وحفظ كرامة مواطنيها ، مستندة إلى التضحيات التي قدمها اللبنانيون في الجنوب.
لكن ما حصل كان العكس:
خطاب رئاسي بارد لا يلامس حجم المعاناة التي عاشتها المناطق المنكوبة.
مقاربات حكومية تشبه إلى حدّ بعيد الخطاب الذي أرادت إسرائيل فرضه بعد الحرب.
واندفاع لافت نحو “ترتيبات” و“تفاهمات” تُقدَّم كخيارات عقلانية، فيما يراها كثيرون بوابات لتنازلات سياسية وأمنية عجزت تل أبيب عن انتزاعها بالنار.
وكأن بعض أركان الدولة يتصرفون كما لو أن لبنان لم يُقدّم شهداء، ولم تُقصف بلداته، ولم يُهجَّر أبناؤه. وكأن السلطة تُصغي لجهة لا علاقة لها بأوجاع الناس، بل تتماهى مع “سردية لا تعكس لا مصلحة الوطن ولا حقيقة الميدان”.
هل هي غفلة… أم انحياز؟
السؤال الذي يتردد في الشارع اليوم لا يحتاج إلى مجاملة:
كيف يمكن لسلطة أن تتصرف بهذا القدر من اللامبالاة تجاه رأي عالمي يزداد رفضًا لسياسات إسرائيل، بينما تبدو هي وكأنها تكافئ هذه السياسات بدل مواجهتها؟
حين تكون دول بعيدة جغرافيًا من أميركا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا ، تعبر عن اشمئزاز سياسي وأخلاقي من سلوك إسرائيل.
وحين تكون شعوب العالم تصطف ضد الاحتلال،
ثم نرى في المقابل مسؤولين لبنانيين يدفعون نحو “خطوات” و“تعديلات” تخدم ما عجزت الحرب عن تحقيقه…
فإن السؤال يصبح مشروعًا:
ما الغاية؟
ولماذا يُظهر بعض أصحاب القرار في لبنان حرارةً مريبة تجاه خيارات تصب في مصلحة إسرائيل أكثر مما تخدم الوطن؟
ليس المطلوب اتهامًا مباشرًا، بل توصيف سياسي:
هذا النهج: سواء نابع عن قناعة أو ضغوط خارجية أو سوء تقدير ، يضع الرئاسة الأولى ورئاسة الحكومة : في موقع مناقض لمزاج اللبنانيين، ولمصالح الجنوب، ولحقيقة التضحيات التي سطّرها أبناء القرى الذين دفعوا دمهم دفاعًا عن الأرض.
لبنان لا يحتاج إلى سلطة تساير خطاب الآخرين… بل إلى سلطة تعرف لمن تنتمي
في لحظة تاريخية يتغير فيها المشهد الدولي بسرعة، وتتهاوى فيها صورة إسرائيل حول العالم، يبدو أن بعض قيادات لبنان اختار أن يبقى على رصيف غير وطني،
رصيفٍ لا يشبه الدم الذي حمى الحدود، ولا يشبه الناس الذين صمدوا تحت القصف، ولا يشبه لبنان الذي قدّم شهداء ودمارًا ووجعًا كي يبقى واقفًا.
والسؤال الأخير الذي يفرض نفسه:
إذا كان العالم كلّه يرفض سلوك إسرائيل… فكيف تصبح بعض السياسات الرسمية في لبنان أقرب إلى تل أبيب منها إلى الجنوب؟
هذا التناقض وحده كافٍ ليقول إن المشكلة ليست في الخارج… بل في من يتولى القرار في الداخل.
