قانون الفجوة المالية…تشريع لإدارة الخسائر، وليس لاستعادة الودائع!!
كتب المحامي د. وسام صعب
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
منذ بداية الانهيار المالي في لبنان، لم يتوقّف اللبنانيون عن سماع وعود متكرّرة حول حماية ودائعهم وإيجاد الحلول التي تعيد الحقوق إلى أصحابها. ومع كل مرحلة سياسية جديدة، يعود ملف الودائع إلى الواجهة بوصفه المدخل الإلزامي لأي نهوض اقتصادي أو استعادة للثقة. واليوم، يُطرح قانون التنظيم أو الانتظام المالي باعتباره الإطار التشريعي المنتظر لمعالجة الأزمة المصرفية، لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل نحن أمام قانون يعيد أموال المودعين، أم أمام تشريع ينظّم الخسائر المالية ويقوننها؟
في جوهره، لا ينطلق هذا القانون من مبدأ حماية أموال المودعين ولا من فكرة إعادة الحقوق كما هي، بل من واقع الانهيار القائم وغياب السيولة النقدية في النظام المصرفي. فهو لا يسأل كيف يمكن إعادة الودائع، بل كيف يمكن توزيع الخسائر المتراكمة بطريقة تُبقي النظام المالي قائمًا وتحدّ من الانفجار الاجتماعي.
ومن هنا، تتحوّل الحقوق المالية إلى التزام مؤجّل، وتُستبدل الوديعة النقدية بأداة مالية طويلة الأمد، مشروطة بقدرة الاقتصاد اللبناني على النهوض في المستقبل.
يُبنى القانون على ما يُسمّى الفجوة المالية، وهي واقع محاسبي لا يمكن إنكاره. غير أن الإشكالية تكمن في تحويل هذه الفجوة إلى منطلق تشريعي نهائي، من دون المرور بمسار واضح للمحاسبة وتحديد المسؤوليات. فغياب أي ترتيب واضح يحدد مسؤولية الدولة، وعدم تحميل المصارف بالمقابل خسائر رساميلها أولًا، وتجاوز الدور المركزي لمصرف لبنان في السياسات النقدية السابقة، يجعل من الفجوة المالية ذريعة قانونية أكثر منها مدخلًا إصلاحيًا. والنتيجة أن المودع يُطلب منه عمليًا أن يتكيّف مع الخسارة بدل أن يُسأل من تسبّب بها.
عمليًا، لا يعيد القانون الودائع فورا وكاملة، كما لا يعيدها نقدًا. بل يطرح سدادًا تدريجيًا يمتد لسنوات طويلة، بعوائد محدودة، وفي إطار أدوات مالية مرتبطة بأداء اقتصادي غير مضمون. وهكذا، ينتقل المودع من موقع الدائن صاحب الحق إلى موقع المموّل القسري، الذي يُطلب منه المشاركة في إنقاذ نظام مالي انهار نتيجة سياسات خنفوشارية لم يكن شريكًا في اتخاذها.
ولا يمكن فصل هذا القانون عن سياقه السياسي العام، فهو يشكّل، في جانب أساسي منه، رسالة إلى الخارج أكثر مما هو تطمين للداخل، ومحاولة لإعادة وصل لبنان بالمنظومة المالية الدولية ولو بكلفة اجتماعية مرتفعة. كما يعكس بالمقابل خيارًا سياسيًا يقوم على أولوية “الاستقرار” كما يُعرّفه صانعو القرار، حتى لو جاء ذلك على حساب العدالة الاجتماعية وحقوق المودعين.
كان بالإمكان مقاربة هذا الملف بطريقة مختلفة، تبدأ بالتمييز الواضح بين فئات المودعين، وبفرض مساهمة إلزامية على رساميل المصارف قبل أي مساس بالودائع، وبربط أي إعادة هيكلة بمسار قانوني و
محاسبي شفاف يسبق التشريع ولا يلحقه. لكن المسار المختار ذهب في اتجاه معاكس، فشُرّعت الخسارة قبل أن تُشرّع المسؤوليات.
في الخلاصة، قانون التنظيم المالي أو ما يعرف بقانون الفجوة المالية وبصيغته المطروحة لا يشكّل حلًا لأزمة الودائع بقدر ما يشكّل إطارًا لإدارة الازمة والانهيار. هو قانون ممكن سياسيًا في ميزان القوى القائم، لكنه ليس قانونًا عادلًا بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يمكن تسويقه عن كونه يعيد الحقوق إلى أصحابها. فاستعادة الثقة لا تبدأ بتكييف القانون مع واقع الخطأ، بل بمحاسبة من ارتكبه، ووضع أسس العدالة كعنوان تحته مئة خط في صلب أي إصلاح مالي حقيقي.
