الأمن القومي الإيراني في مهب الانكشاف: من الاختراق الاستخباري إلى التهديد الوجودي الشامل
د محمد حسن سعد ـــ رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية وعضو الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الإقليمية والدولية على نحوٍ غير مسبوق، لم يعد الأمن القومي الإيراني ملفاً تقنياً محصوراً في دوائر القرار المغلقة، بل تحوّل إلى أحد أكثر العناوين إلحاحاً في معادلة الشرق الأوسط المضطربة. فمنذ اندلاع أحداث وحرب طوفان “طوفان الأقصى” وما تلاها من سيولة هائلة في المشهدين السياسي والأمني، بات الداخل الإيراني نفسه جزءاً من معادلة الصراع، لا مجرد ساحة خلفية له.
تكشف الوقائع المتراكمة أن إيران لا تواجه اليوم تحديات خارجية تقليدية فحسب، بل تعيش اختباراً عميقاً لقدرتها على حماية بنيتها الداخلية، وضبط مفاصلها السيادية، ومنع تسلل الفاعلين الخارجيين إلى قلب منظومتها الأمنية والعسكرية والعلمية. فحوادث الاغتيال، والانكشافات الأمنية، وتكرار الضربات النوعية، لم تعد أحداثاً معزولة يمكن تفسيرها بالصدفة أو الخلل العابر، بل مؤشرات متراكمة على أزمة أعمق تتصل بطبيعة الاختراقات الأجنبية وحدود قدرة الدولة على احتوائها.
وقد شكّلت حرب الأيام الاثني عشر لحظةً مفصلية كاشفة، ليس فقط على مستوى الاشتباك العسكري، بل على مستوى الانكشاف الاستخباراتي العميق داخل إيران. فالدقة العالية للضربات الإسرائيلية، وتزامن العمليات العسكرية، واستهداف شخصيات ومواقع ذات حساسية بالغة، كشفت عن مستوى متقدم من جمع المعلومات، واختراق دوائر القرار، ورصد التحركات قبل وقوعها، بما يتجاوز بكثير ما يمكن تفسيره بقدرات تقنية أو استطلاع عن بُعد فقط. لقد بدت الحرب، في أحد وجوهها الأقل ظهوراً، اختباراً قاسياً لصلابة الجبهة الداخلية الإيرانية وقدرتها على حماية أسرارها السيادية.
حجم الاختراقات ومحدودية الإجراءات الإيرانية
تكشف المعطيات المتداولة في الأوساط الأكاديمية، واستناداً إلى تقييم مصدر أمريكي وازن، عن صورة شديدة التعقيد لمشهد الأمن الداخلي الإيراني، صورة تتجاوز التفسيرات التبسيطية للاختراقات الاستخباراتية بوصفها حوادث معزولة أو ظرفية. فوفق المصدر الأمريكي واستناداً إلى تقارير ومعلومات قادمة من داخل المؤسسات الإيرانية نفسها، يتبيّن أن الإجراءات التي اعتمدتها طهران خلال الفترة الماضية لمواجهة الاختراقات الأجنبية، وفي مقدمتها الإسرائيلية، لم تُفضِ حتى الآن إلى نتائج حاسمة أو شاملة. ويعكس هذا الواقع محدودية المقاربات المعتمدة، التي بقيت أسيرة الاستجابات الجزئية والمعالجات الظرفية، من دون أن تمسّ جوهر الخلل البنيوي العميق القائم في المنظومة الأمنية.
وفي هذا السياق، لا يظهر الاختراق بوصفه حالة طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية أو حملات أمنية متفرقة، بل كظاهرة ممتدة تؤثر مباشرة في بنية الدولة ومفاصلها الحساسة، بما في ذلك مؤسسات عسكرية وأمنية وعلمية ذات طابع سيادي. وتؤدي هذه الحالة إلى تقويض فعالية الإجراءات المعلنة، وإلى إضعاف قدرة الدولة على فرض سيطرة أمنية كاملة ومستقرة، ما يفتح المجال أمام تكرار الاختراقات وتحولها من أحداث استثنائية إلى نمط متكرر يفرض نفسه كأحد ملامح المشهد الأمني الإيراني الراهن.
مشاركة دول كبرى في اختراق الداخل الإيراني
يشير المصدر الأمريكي إلى أن الاختراق الإسرائيلي للداخل الإيراني مستمر، رغم إعلان طهران عن اعتقال مئات الشبكات التجسسية، إلا أن ما بات أكثر أهمية هو أن الاختراق الغربي داخل إيران لم يعد ظاهرة جديدة فحسب، بل تحول إلى عملية واسعة وهائلة تتجاوز حدود إسرائيل وقدراتها، التي كانت تُعتبر لفترة طويلة اللاعب الرئيسي في هذا المجال. وفقاً للمصدر نفسه، تشارك الآن دول كبرى في هذا المشهد الاستخباري المعقّد، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب دول أوروبية فاعلة مثل فرنسا وبريطانيا، إضافة إلى دول أخرى منضوية في حلف شمال الأطلسي وأخرى خارجه. هذا التوسع يحوّل الاختراق من مجرد ملف أمني محدود إلى بيئة متعددة المستويات والأطراف، تتقاطع فيها المصالح الاستخبارية والسياسية والاستراتيجية، ويكشف عن عمق نفوذ هذه القوى داخل المؤسسات الإيرانية الحساسة.
وهنا لا بد من التذكير بقضية اعتقال نائب وزير الدفاع الإيراني الأسبق علي رضا أكبري بتهمة التجسس لصالح الاستخبارات البريطانية، وهي واحدة من أبرز الدلائل على عمق الاختراق داخل المؤسسات السيادية. الرجل لم يكن موظفاً هامشياً، بل شغل موقعاً متقدماً يتيح له الاطلاع على ملفات إستراتيجية وحساسة تشمل البرنامج الصاروخي الإيراني، وسلاسل التوريد الدفاعية، وشبكات القرار داخل وزارة الدفاع الإيرانية.
ما يزيد خطورة هذه القضية ليس التجنيد نفسه، بل طول المدة التي استمر فيها الاختراق دون كشف، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية آليات التدقيق الأمني، ونظم المتابعة الداخلية، وحدود الفصل بين الثقة السياسية والرقابة الاستخبارية. كما أن اختيار بريطانيا، وليس إسرائيل وحدها، يعكس حقيقة أن ساحة الاختراق الإيراني باتت متعددة الأطراف، وأن قدرة إسرائيل على اختراق إيران لم تعد هي العامل الوحيد، بل جزء من منظومة استخباراتية غربية واسعة ومعقدة.
خطورة الاختراقات على الأرض الإيرانية
الخطير فيما نقله المصدر الأمريكي الوازن لا يتوقف عند حدود تجنيد عناصر إيرانية أو اختراق شبكات محلية فحسب، بل يتعدّاه إلى ما وصفه بـالقدرة الهائلة للأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية والغربية، ومن بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على سبيل المثال لا الحصر، على إدخال عناصر أجنبية إلى داخل الأراضي الإيرانية، تعمل بصورة مباشرة على تنفيذ مهام التجسس، والمراقبة، والرصد، والمتابعة، والتحقيق، وصولًا إلى الإعداد العملياتي الكامل. وهذا المعطى يفتح، بحسب المصدر، إشكالية أخرى بالغة الخطورة على إيران وأمنها الحيوي تتصل بملف حماية الحدود الإيرانية، وآليات ضبطها ومراقبتها، ومدى سهولة اختراقها رغم الإجراءات المعلنة. ويؤكد المصدر أن عدداً غير قليل من العمليات الأمنية التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، ولا سيما تلك المرتبطة بعمليات اغتيال أو تصفية شخصيات محددة، لم تُنفَّذ بواسطة عناصر إيرانية متعاونة مع هذه الأجهزة كما يُشاع أحياناً، بل نُفِّذت في حالات عديدة بواسطة عناصر استخبارات إسرائيلية وغربية تسللت إلى الداخل الإيراني وعملت بحرية لافتة. إلى حدّ أنه عبّر عن دهشته من بعض التقارير التي اطّلع عليها، والتي تؤكد أن عمل بعض هذه المجموعات داخل إيران كان أسهل مما قد يتخيّله المرء.
وفي هذا السياق يشير المصدر الأمريكي الى حادثة اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده التي تعتبر محطة مفصلية في تاريخ الصراع الاستخباري داخل إيران، ليس فقط لرمزية الشخصية المستهدفة، بل لطبيعة العملية نفسها وما انطوت عليه من رسائل أمنية عميقة. فالاغتيال، الذي جرى في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 قرب العاصمة طهران، نُفّذ بدقة استثنائية وفي منطقة خاضعة لإجراءات أمنية مشددة، وعلى مقربة من منشآت ومراكز حساسة، ما عكس مستوى غير مسبوق من الاختراق على صعيد جمع المعلومات المسبقة، والرصد طويل الأمد، والتخطيط العملياتي المعقّد.
ويشير المصدر الأمريكي إلى ان المعطيات المتداولة في التقارير الغربية تؤكد إلى أن العملية لم تكن وليدة قرار سريع أو فرصة عابرة، بل جاءت نتيجة مراقبة دقيقة لتحركات فخري زاده على مدى سنوات، شملت أنماط تنقله، توقيت خروجه وعودته، تشكيل موكب الحماية، وحتى تفاصيل المسار اليومي الذي يسلكه. وقد أظهرت طبيعة التنفيذ أن المنفذين امتلكوا معرفة دقيقة بالثغرات الأمنية، وبنقاط الضعف في إجراءات الحماية، ما سمح بتنفيذ الاغتيال في دقائق معدودة، ومن دون اشتباك مباشر أو فوضى ميدانية.
وتكمن خطورة هذه الحادثة في أنها كشفت أن الاختراق لم يكن محصوراً في دائرة العلماء أو الباحثين فحسب، بل امتد ليشمل البيئة الأمنية المحيطة بهم بكامل تفاصيلها، من منظومات الحماية، إلى أساليب التأمين، إلى طرق التنقل والروتين اليومي. وتشير التقديرات إلى أن العملية نُفذت بواسطة عناصر أجنبية بالكامل، استخدمت معدات عالية الحساسية والتعقيد جرى إدخالها إلى الداخل الإيراني مسبقاً، ما يدل على وجود قدرة لوجستية واستخبارية متقدمة مكّنت من نقل هذه المعدات وتجميعها وتشغيلها داخل الأراضي الإيرانية من دون رصد فعّال.
وعليه، لم يكن اغتيال فخري زاده مجرد تصفية شخصية علمية بارزة، بل شكّل إعلاناً صريحاً عن عمق التغلغل الاستخباري الخارجي، وعن قدرة هذه الأجهزة على العمل داخل إيران بدرجة من الحرية والفعالية، بما يتجاوز التصورات التقليدية عن حدود الاختراق، ويطرح أسئلة جوهرية حول فعالية منظومات الحماية السيادية، وحدود السيطرة الأمنية للدولة على فضائها الداخلي.
ومن الأهمية التذكير ان اغتيال فخري زاده لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء ضمن سلسلة طويلة من عمليات الاستهداف التي طالت علماء وخبراء مرتبطين بالبرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني على مدى سنوات. هذه العمليات، عند تحليلها بصورة تراكمية، تشير إلى نمط استخباري ثابت يقوم على استنزاف العقول، وتعطيل المعرفة، وبثّ شعور دائم بعدم الأمان داخل النخبة العلمية والعسكرية الإيرانية.
ويعزز هذا النمط ما خلص إليه المصدر الأمريكي من أن جزءاً أساسياً من نجاح هذه العمليات يعود إلى القدرة على العمل داخل إيران نفسها، وليس فقط من خارجها، وهو ما يحوّل مسألة الاختراق من حدث أمني عابر إلى ظاهرة بنيوية ممتدة.
الضربات الإسرائيلية لإيران خلال حرب “الاثني عشر يوماً”
يؤكد المصدر الأمريكي إلى مسألة باتت معروفة في الدوائر الأمنية، وإن كانت لا تزال تُتداول بحذر في الخطاب العلني، وهي أن الضربات الإسرائيلية الأولى التي نُفذت ضد أهداف داخل إيران خلال ما عُرف بحرب “الاثني عشر يومًا” أضافت بعداً أكثر خطورة وتعقيداً إلى ملف الاختراق الداخلي. فقد أظهرت هذه الضربات قدرة إسرائيل على تحديد مواقع شديدة الحساسية بدقة عالية، وتنفيذ عمليات استهداف متزامنة طالت قيادات عسكرية بارزة وعلماء نوويين في توقيت محسوب ومتزامين، ما أدى إلى مقتل عدد مهم من الشخصيات المؤثرة في البنية العسكرية والعلمية الإيرانية، وأحدث صدمة واضحة في منظومة القيادة والسيطرة.
واللافت في هذه الضربات لا يقتصر على نجاحها العسكري المباشر، بل يتعداه إلى ما تكشفه على المستوى الاستخباري. إذ عكست قدرة متقدمة على جمع معلومات آنية، وتحديث مستمر لبنك الأهداف، ومعرفة دقيقة بتحركات القيادات ومساراتها وتوقيت وجودها في مواقع محددة. وهذه المؤشرات مجتمعة لا يمكن تفسيرها بوجود “خلايا نائمة” أو “عناصر فردية” فحسب، بل تدل على اختراقات عميقة ومستمرة داخل النظام الإيراني، تمتد عبر مستويات متعددة، وتسمح بتكامل العمل الاستخباري مع القرار العملياتي بصورة تتجاوز الاختراقات التقليدية المحدودة.
معطيات أخطر تتجاوز ملف الاختراقات
ويضيف المصدر الأمريكي نفسه، استناداً إلى ما اطّلع عليه من تقارير وتقديرات استخبارية عالية المستوى وبالغة الأهمية، أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وبالتعاون الوثيق مع دول أخرى منضوية في حلف شمال الأطلسي، قد أنهت إعداد خطة عسكرية وأمنية شاملة ومتكاملة لا تستهدف فقط تدمير ما تبقّى من البرنامج النووي الإيراني، بل تسعى إلى إغلاق هذا الملف بصورة نهائية، ووأد أي محاولة إيرانية حالية أو مستقبلية لإعادة إحيائه تحت أي صيغة كانت. ولا تتوقف هذه الخطة عند البعد النووي، بل تتضمن مساراً موازياً يستهدف البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، سواء عبر تدميره المباشر أو عبر إلحاق أضرار إستراتيجية به من شأنها تقليص فعاليته العملياتية، والحد من تأثيره الردعي وخطورته الإقليمية لسنوات طويلة مقبلة.
وتكتسب هذه الخطة خطورتها الاستثنائية ليس فقط من اتساع نطاق أهدافها، بل من طبيعة الأسس التي قامت عليها. فهي، بحسب هذا التقدير، لم تُبنَ على افتراضات نظرية أو قراءات سياسية عامة، بل استندت إلى معطيات شديدة الدقة جُمعت بعد حرب الاثني عشر يوماً عبر عمل استخباري طويل الأمد، شمل خلايا نشطة تعمل داخل الأراضي الإيرانية وما زال بعضها فاعلاً حتى الآن، إضافة إلى تراكم واسع من التقييمات والتقديرات والاستقصاءات التي أعدّتها أجهزة استخبارات إسرائيلية وغربية حول البنية التقنية والتنظيمية لما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، وتركيبة البرنامج الصاروخي، ومواطن الضعف البنيوية ونقاط الاختراق القابلة للإستثمار فيهما.
وفي هذا السياق، لا تبدو حرب “الاثني عشر يومًا” حدثاً معزولاً أو مواجهة عابرة، بل أقرب إلى مرحلة اختبار ميداني أولي لقدرات الرصد والاستهداف وتكامل العمل الاستخباري مع القرار العملياتي. فقد أظهرت تلك الحرب، ولا سيما في ضرباتها الأولى، أن جزءاً معتبراً من هذه الخطة قد جرى وضعه موضع التجربة العملية، سواء من حيث دقة بنك الأهداف، أو سرعة تحديث المعلومات، أو القدرة على توجيه ضربات محسوبة إلى مفاصل حساسة. وعليه، تبدو هذه الخطة أقرب إلى سيناريو جاهز للتنفيذ عند توافر الظروف السياسية والعملياتية المناسبة، لا مجرد أداة ضغط أو خيار نظري مؤجل، ما يضع إيران أمام تحدٍ إستراتيجي بالغ الخطورة يتجاوز الحسابات التقليدية للتصعيد والردع.
استحالة التنقية ومحدودية القدرة على تصفية الاختراقات
يرى المصدر الأمريكي أن تنقية الأجهزة الأمنية الإيرانية من الاختراقات الأجنبية، إن أُريد لها أن تكون عملية حقيقية وليست إجراءً شكلياً أو استعراضياً، لا يمكن أن تُنجز خلال أشهر قليلة، بل تتطلب سنوات طويلة من إعادة البناء المؤسسي، والمراجعة العميقة، والتفكيك البنيوي لمنظومات العمل القائمة. ويشمل ذلك، بحسب المصدر، إعادة النظر في آليات التجنيد، وثقافة العمل الاستخباري، وسلاسل اتخاذ القرار، إضافة إلى طبيعة العلاقة المتشابكة بين المستويين الأمني والسياسي داخل الدولة.
غير أن الإشكالية المركزية، وفق المصدر الأمريكي، أن الظرف السياسي والأمني الراهن لا يمنح إيران ترف الزمن اللازم لخوض مسار طويل ومعقّد من هذا النوع، لا على المستوى الداخلي ولا في السياق الإقليمي المتفجر. فالتحديات المتراكمة، وتسارع وتيرة الاستهداف الخارجي، والضغوط الأمنية المتواصلة، تجعل أي محاولة لإصلاح جذري عرضة للتعطيل قبل أن تبلغ مداها الفعلي.
وفي هذا السياق، يؤكد المصدر أن الأجهزة الأمنية الإيرانية، بصيغتها الحالية وبأدائها وتركيبتها البنيوية القائمة، غير قادرة على تصفية جميع الاختراقات الأجنبية، وفي طليعتها الاختراق الإسرائيلي. فالإشكال لا يقتصر على وجود “عناصر مخترِقة” يمكن عزلها أو توقيفها، بل يرتبط بطبيعة المنظومة نفسها: آليات العمل، وثقافة القرار، وتداخل الأمني بالسياسي، وتغليب منطق الولاء على منطق الكفاءة في بعض المفاصل الحساسة، ما يحوّل الاختراق إلى مشكلة بنيوية مزمنة لا إلى خلل طارئ قابل للمعالجة السريعة.
الحاجة لمقاربة شاملة وجذرية للأمن القومي الإيراني
إن ما تواجهه إيران اليوم ليس مجرد أزمة اختراق تقليدية يمكن معالجتها عبر حملات اعتقال أو تغييرات إدارية محدودة، بل أزمة عميقة تتطلب مقاربة شاملة للأمن القومي وإدارة الداخل. فمحاولة معالجة الخلل باستخدام الأدوات نفسها التي ساهمت في إنتاجه لن تؤدي إلا إلى إعادة تدوير الأزمة بصيغ أكثر تعقيداً. ومن هنا، يتضح أن الإيرانيين بحاجة إلى إعادة تعريف شاملة لمفاهيم الأمن، والثقة المؤسسية، وطبيعة العلاقة بين الدولة وأجهزتها، بما يضمن أن تصبح عملية “تنقية الداخل” هدفًا قابلاً للتحقيق وليس مجرد شعار معلن، مهما تصاعدت الإجراءات وتكاثرت الحملات.
ولا يمكن النظر إلى هذا التحدي بمعزل عن التطورات الإقليمية والدولية، حيث تشير التقديرات إلى أن رئيس وزراء الإسرائيلي بنامين نتنياهو يعتزم زيارة الولايات المتحدة قبل نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر 2025، بهدف كسب دعم أمريكي لخيار عسكري واسع محتمل ضد إيران وما تبقى من محور المقاومة. وتثير هذه الخطوة مخاوف كبيرة لدى صناع القرار الإيراني، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يجد في أي تصعيد عسكري فرصة لتخفيف الضغوط الداخلية المتصاعدة، لا سيما مع تصاعد الخطاب المناهض لإسرائيل من بعض أجنحة اليمين الأمريكي المؤيد تاريخياً لها، والتصدعات الكبيرة داخل تيار MAGA، ما يجعل احتمالية إستغلال أي تردد أو ضعف في واشنطن أمراً قائماً وواقعياً.
كما أن معالجة هذا التحدي تتطلب رؤية إستراتيجية طويلة المدى، تشمل إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتعزيز الكفاءة والشفافية، والحد من تداخل الأمن بالسياسة، وإعادة بناء ثقافة الولاء المؤسسي على أسس الأداء والكفاءة لا الانتماءات الشخصية. فالنجاح في هذا المسار لن يقتصر على القضاء على الاختراقات الحالية فحسب، بل سيمكّن إيران من تحويل ضعفها البنيوي إلى قوة استباقية، تحمي مصالحها الحيوية، وتواجه أي تدخل أجنبي محتمل بمرونة وفاعلية.
ختاماً، يبقى الدرس الأهم أن الأمن القومي لا يُبنى بالحملات المؤقتة أو الإجراءات الشكلية، بل بالاستثمار في بنية الدولة، والمجتمع، والوعي الإستراتيجي لمؤسساتها. أي خطوة خارج هذا الإطار ستبقى محاولة ناقصة، معرضة لإعادة إنتاج الاختراقات، وربما لتكريس دورة من الصراعات الداخلية والخارجية التي لن تنتهي بسهولة.
