مقاربة موضوعية وجدوى
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أصبحت عبارة نزع السلاح في لبنان متلازمة تشكل جدلًا واسعًا في المخيال السياسي اللبناني، بحيث يتطلب الأمر دراسة موضوعية في هذا الإتجاه تُبنى على قراءة نفسية سياسية تمهّد منهجيًا لمقاربة جدية تحليلية تربط بين موضوع سياسي راهن في لبنان (نزع سلاح حزب الله) وبين مفهوم في التحليل النفسي (عقدة أوديب) على نحو مجازي، أي بوصفه أداة لفهم الخطاب والرموز وآليات الشرعية والهوية والصراع على “السلطة” و “القانون” و “الحماية”، لا بوصفه تشخيصًا نفسيًا لأي طرف أو جماعة.. تكتسب هذه المقاربة أهميتها لأن الجدل حول السلاح لا يُدار فقط عبر حجج أمنية ودستورية، بل عبر لغة عاطفية – وجودية – هوياتية: الخوف – الكرامة – السيادة – الحماية – المقاومة، مع وجود عدوان واحتلال في ظل دولة عاجزة، وهو ما يظهر بوضوح في تغطيات ومناظرات عربية ولبنانية ودولية عديدة حول التزامات الدولة ونصوص وقف إطلاق النار، وضغوط دولية، ومواقف حزب الله والحكومة والجيش وتحول النقاش إلى مادة جدلية يومية في وسائل الإعلام كافة..
وأما في تعريف عقدة أوديب الفرويدي المختصر في نظرية التحليل النفسي، فإنها تشير إلى مرحلة في نمو الطفل تتضمن رغبة امتلاكية تجاه الوالد من الجنس الآخر، وشعورًا منافسًا عدائيًا تجاه الوالد من الجنس نفسه، ثم تُحل عبر التماهي مع الوالد (أي تبني قيمه وقوانينه) والقبول بالمنع بما يمهد لتكوين “الأنا الأعلى” ومعايير القانون والذنب والواجب..
من هنا، ومن منطلق سياسي، نحن لا نحتاج العصر الأسري – البيولوجي حرفيًا، بل ما يهمنا هو البنية الرمزية:
أ- الأب: السلطة – القانون – الشرعية – الحدود (من يملك حق المنع والإذن والعقاب؟)
ب- الأم: موضوع الانتماء – الحماية – الدفء – الهوية (الوطن – الجماعة – الطائفة – البيت الرمزي).
ج- الإبن – الفاعل: من ينازع على الحماية والقرار والشرعية، ويتأرجح بين الإعتماد والتمرد والبحث عن اعتراف.
السؤال المطروح: أين يلتقي ملف نزع السلاح ببنية أوديب؟
هناك خمس فرضيات:
- الصراع على “وظيفة الأب” لا على السلاح فقط. إذا أخذنا “اسم الأب” بوصفه قانون الدولة واحتكار العنف المشروع، يصبح جوهر النزاع من هو الأب “الأب الرمزي” الذي يملك حق القرار النهائي في الحرب والسلم؟ من منظور الدولة الحديثة، إحتكار السلاح هو شرط لوجود “الأب – القانون” كمرجعية واحدة فوق الجميع. من منظور “المقاومة” كما تقدم في خطابها، الدولة لم تستطع تاريخيًا أداء وظيفة الحماية – الردع، فبرزت “وظيفة حماية” موازية تُبرَّر بالتهديد الخارجي وبخبرة الصراع. وهنا يتجسد نموذج أوديب سياسيًا: نزاع بين مرجعيتين على الشرعية (الأب) وعلى من يحدد الحدود (المنع – الإذن – العقاب) وكلما ارتفعت الضغوط الخارجية والتصعيد الأمني، ازداد التمسك بوظيفة “الأب الحامي” حتى لو كان خارج الدولة.
- “الأم” بوصفها الوطن – الجماعة، والسلاح كموضوع امتلاك ورعاية في التحويل السياسي الرمزي، الأم قد تُفهم ك:
- الوطن بوصفه وطنًا بيتًا مهددًا (لبنان المعرّض للإعتداء)، أو
- الجماعة: البيئة التي ترى في السلاح ضمانة وجودية أو
- فكرة الكرامة – الهوية التي تتعرض للإمتهان.
عندها يتحول السلاح إلى ما يشبه “القدرة على الرعاية والحماية” داخل هذا البيت. ومن هنا يمكن تفسير لماذا يصبح أي حديث عن النزع في بعض البيئات، ليس نقاشَا إداريًا، بل تهديدًا لأساس الأمان والهوية، أي تهديدًا لِـ “الأم – البيت” ذاته. وهذا يظهر في لغة تربط السلاح مباشرة بالسيادة والحرية والدم والتضحيات (الشيخ نعيم قاسم)..
- الخوف الجماعي من فقدان القدرة على الردع. في أوديب “الخوف” المركزي هو فقدان الإمتياز – القدرة (بلغة التحليل النفسي: القلق من العقوبة) في السياسة، يقابله قلق من:
- فقدان الردع أمام الدولة المعادية (إسرائيل)،
- أو فقدان القدرة على حماية البيئة – المناطق،
- أو التحول إلى “مكشوفين” بلا أدوات ضغط.
وهذا يفسر لماذا تُقرأ خطط النزع المتدرج أو “خرائط الطريق” بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمان، ولماذا تُقابل أحيانًا بالتصلّب. وفي المقابل، لدى معسكر السيادة، يظهر الخوف من أن تبقى الدولة بلا أسنان وأن يظل اسم الأب منقوصًا، فتغدو القاعدة غير عامة والشرعية مجتزأة..
- حل أوديب السياسي: التماهي مع “الدولة الأب” عبر تسوية مؤسّسية لا عبر الغلبة. بحسب القراءة الكلاسيكيّة، تُحل عقدة أوديب عبر التماهي مع الأب وقبول القانون العام في السياسة اللبنانية، ما يقابل ذلك ليس استسلام طرف لآخر، بل بناء صيغة تجعل:
- وظيفة الدفاع والردع مُمأسسة داخل الدولة (استراتيجية دفاعية – أمن وطني).
- وتمنح ضمانات واقعية للبيئات القلقة،
- وتقدم للدولة احتكارًا تدريجيًا للسلاح ضمن جدول وآليات رقابة وتوافقات.
لهذا يبرز بكثرة في النقاشات تعبير “الإستراتيجية الدفاعية – الأمن الوطني كمخرج لغوي – سياسي يتيح التحول من صراع أوديبي صفري إلى عملية “توحيد الأب الرمزي” (أي مرجعية واحدة) عبر تسوية وهو ما تلتقطه بعض التحليلات التي تتحدث عن إدماج تدريجي ضمن المؤسسات مقابل ضمانات.
- التعقيد اللبناني يُضاعف “الأوديب”: آباء متعددون وقوانين متنافسة. لبنان ليس دولة قومية كلاسيكية بسلطة مركزية صلبة، إنه نظام توافقي طائفي مع تعدد مرجعيات داخلية وخارجية. في لغة التحليل النفسي – السياسي يمكن القول أن الأب ليس واحدًا:
- “أب الدولة” (الدستور – الحكومة – الجيش)
- “أب المقاومة” (سردية التحرير والردع)
- “أب الخارج” (الضمانات – الضغوط – التسويات الدولية)
- و “آباء الطوائف” (زعامات وشبكات حماية واجتماعية)
تعدد الآباء يعني تعدد القوانين، وبالتالي صعوبة إنتاج “إسم أب” واحد جامع. لذلك يتحول الجدل حول السلاح إلى ساحة مكثفة يظهر فيها سؤال: من يملك حتى تعريف السيادة؟ ومن يملك حق تعريف الخطر؟ ومن يقرر “حتى نُقاتل ومتى نفاوض؟ وتظهر هذه المعضلة في تقارير عن صعوبة قدرة الدولة في إرادتها السياسية على التنفيذ والخشية من توترات داخلية.
بالمحصلة النهائية، نورد القيمة التفسيرية لهذا التحليل بالإضافة إلى الخلاصة التنفيذية المنشودة.
في القيمة التفسيرية: هذا التحليل يشرح لماذا تبدو بعض الحجج “غير قابلة للإقناع المتبادل” لأن الخلاف ليس على رقم أو إجراء، بل على وظيفة الحماية والإعتراف. ويوضح أن أي مسار لنزع السلاح لن ينجح إذا فُهم فقط كـ “تفكيك معدات”، دون بناء “أب رمزي” بديل: دولة قادرة – ضمانات – استراتيجية دفاعية حقيقية ومصداقية أمنية. والخوف من خطر تبسيط الأمور يحوّل النزاع السياسي المركّب إلى “عقدة نفسية” قد يظلم الوقائع والتاريخ..
في الخلاصة التنفيذية نورد أربع نقاط:
- الجدل حول نزع السلاح يعمل “كمسرح رمزي” لصراع على من هو الأب الشرعي: الدولة أم المقاومة أم الخارج أم خليط تفاوضي.
- “الأم” في الخيال السياسي هو الوطن – البيت – البيئة، والسلاح يُقدَّم كأداة رعاية وحماية، لذلك يصعب نزعه بلا بديل مقنع.
- حل “الأوديب السياسي” لا يكون بالإنكار أو الإلغاء، بل عبر مأسسة وظيفة الحماية داخل الدولة (إستراتيجية دفاعية – أمن وطني) مع ضمانات مرحلية.
- كلما كانت الدولة أضعف أو منقسمة، ازداد احتمال استمرار “تعدد الآباء” وتصلّب السرديات وانتظار الحلول المرتجاة…
