تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يعرف لبنان بنظامه التوافقي – الطائفي (6 و 6 مكرر)، الذي يوزع السلطات العليا عُرفاً بين الطوائف، وذلك نظراً لتعدد الطوائف والمذاهب، بحيث تُسند رئاسة مجلس النواب تقليدياً إلى شخصية شيعية، ما يجعل الموقع جزءاً من “مثلث” إدارة الدولة إلى جانب رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.
في هذا السياق، لا تكون رئاسة المجلس مجرد رئاسة جلسات تشريعيّة، بل “بوابة” التنظيم الدستوري للحياة السياسية: تحديد جدول أعمال الهيئة العامة، إدارة آليات التصويت، ضبط إيقاع اللجان، وتوفير الحد الأدنى من الإستمرارية المؤسسية في بلد كثير التعطيل..
بعد إتفاق الطائف وما تلاه من تعديلات دستورية، تعزّز دور البرلمان في المعادلة السياسيّة وازدادت مركزية إدارة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ضمن توازنات ما بعد الحرب.
من هنا تُفهم أهمية الرئيس نبيه بري، فهو يشغل رئاسة المجس منذ العام 1992 وأُعيد انتخابه لولايات متعاقبة، وصولاً إلى الولاية السابعة 2022. وأياً كانت المواقف منه، فإن طول البقاء في موقع بهاذ الثقل جعل دوره “بُنية قائمة بذاتها” داخل النظام السياسي اللبناني. وقد دأب الرئيس بري منذ توليه رئاسة المجلس على العمل لاستقرار البلد ما بعد الحرب ولانتظام المؤسسات الدستورية وكان دوره بارزاً في:
ا- تثبيت الإستمرارية بعد الحرب وإعادة تشغيل البرلمان: تولّى بري رئاسة المجلس في مرحلة إعادة بناء الدولة بعد الحرب الأهلية، حيث كان المطلوب تشغيل المؤسسات وترميم ما انقطع من عمل برلماني طبيعي، والتعامل مع ملفات ثقيلة: إعادة الإعمار، إعادة انتظام المالية العامة، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل واقع سياسي – أمني معقّد، وبالتالي فقد حقق بري إنجازاً كبيراً في تثبيت الإستمرارية المؤسسية في فترة وجيزة، حيث كان رئيساً للمجلس قادراً على تأمين “الحد الأدنى” من انتظام الجلسات واللجان وتدوير الزوايا بين الكتل، مما ساعد على منع انهيار كامل للمسار الدستوري عند كل أزمة.
ب- إدارة التوازنات داخل المجلس: بين التشريع واحتواء الإنقسام، الميزة الأساسية لرئاسة المجلس في لبنان هي أنها تعمل في بيئة “غير مستقرة بنيوياً”: إنقسامات عامودية بين محاور سياسية، وتبدّل تحالفات، واستقالات وزارية، وفراغات رئاسية. في هذا المناخ، كثيراً ما يصبح “منجز رئيس المجلس” ليس قانوناً بعينه، بل إدارة الممكن:
– جمع كتل لا تجتمع عادة على طاولة واحدة.
– تمرير حد أدنى من الاستحقاقات أو منع تفجر مؤسسي.
– استخدام أدوات النظام الداخلي (جدولة جلسات، إحالة مشاريع للجان، إدارة النقاشات) لإبقاء الخيط الدستوري قائماً.. وعليه، فإن تقييم “إنجازات الرئيس” يجب أن يأخذ في الاعتبار أن رئاسة المجلس في لبنان ليست منصباً إدارياً محضاً، بل منصباً سياسياً – تفاوضياً بامتياز.
ج- تحويل البرلمان إلى منصة تهدئة وطنية – “حوار 2006”: من أبرز المحطات المنسوبة إلى بري في المجال السياسي العام إطلاقه لجولة “الحوار الوطني” في آذار 2006، في لحظة انسداد سياسي بعد خروج وزراء شيعة من الحكومة وتصاعد التوتر الداخلي، أهمية هذه الخطوة –بحسب الأدبيات المتخصصة – أنهاجعلت من رئيس المجس “مُيَسِّراً لمسار توافقي خارج القنوات الحكومية المعتادة، بهدف معالجة ملفات خلافية كبرى. ويُسجّل أن مسار الحوار ذُكر في وثائق أممية بوصفه إطاراً لبحث قضايا حساسة (مثل العلاقات اللبنانية – السورية وترسيم الحدود وقضايا أمنية وسيادية)، ما يبين أن الحوار لم يكن حدثاً إعلامياً فقط بل دخل في توصيفات دولية للواقع اللبناني، وهذا يُحسب له كقدرة على إنتاج “مائدة” تجمع خصوماً عند ارتفاع مخاطر الانفجار.
د- مؤتمر الدوحة 2008: دور ضمن إطار حوار عربي – لبناني موسَّع: شكّل “إتفاق الدوحة” مخرجاً لأزمة داخلية حادة، وجاء ضمن اجتماع لقادة لبنانيين في الدوحة تحت مظلة عربية. وثائق رسمية مرتبطة بالأمم المتحدة تشير إلى مشاركة القيادات اللبنانية في “اجتماع الحوار الوطني” في الدوحة، وعلى رأسهم الرئيس بري، والذي ساهم في “منجز” كان جزءاً من منظومة تسوية جنَّبت البلد مساراً أخطر، وأعادت فتح المجال أمام انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، ولو ضمن توازنات شديدة التعقيد.
ه- دور “الوسيط” في الأزمات الإقليمية من 2006 حتى تاريخه: تتكرر في تغطيات دولية صفة “الوسيط” عند الحديث عن بري، لا سيما في ملفات التهدئة المرتبطة بجنوب لبنان وعلاقة لبنان بتداعيات الصراع مع اسرائيل ووقف إطلاق النار ومسألة نزع السلاح، بحيث ظل هذا الوسيط نقطة تواصل رئيسية لكثير من الدبلوماسيين بسبب علاقته بحزب الله وبحكم موقعه المؤسسي.
وهذا الدور يُترجم “قيمة سياسية” تتجاوز البرلمان: القدرة على مخاطبة الداخل والخارج معاً، وعلى تمرير رسائل تهدئة حين تكون الدولة في وضع هش (فراغات، حكومات، تصريف أعمال، إنقسامات) هذا وقد استمر بري في دعوته إلى”حوار وطني” حتى يومنا هذا، حول قضايا شديدة الحساسية، ما يعكس استمرار اعتماده لأداة الحوار كمدخل لإدارة النزاعات السياسية والأمنية.
و- التمثيل الشيعي وحركة أمل: “رفع المكانة” أم “ترسيخ الزعامة”؟ جزء جوهري من صورة بري يرتبط بقيادته لحركة أمل، وباعتباره أحد أبرز رموز السياسة الشيعية بعد الحرب، فقد ساهم في تحسين مكانة الشيعة في نظام كان يميل تاريخياً لصالح جماعات أخرى بعد الاستقلال، وهذا توصيف مهم لأنه يشرح لماذا يحظى بشرعية شعبية داخل بيئته على الرغم من الإنتقادات الواسعة.
وفق هذا المنظور، تُقدَّم “منجزاته” على ثلاثة مستويات:
– سياسياً: ضمان حضور الشيعة كشريك كامل في القرار الوطني.
– مؤسسياً: تثبيت موقع رئاسة المجلس كرافعة تأثير لا كمنصب بروتوكولي.
– تفاضياً: تحويل الزعامة إلى قدرة على تسوية النزاعات بين المكونات.
ز- التشريع والإنتخابات: العمل في ظل قوانين متنازع عليها: على مستوى “التشريع”، يصعب إسناد قوانين بعينها إلى رئيس المجلس وحده، لأن التشريع نتاج كتل ولجان وحكومات، لكن يمكن تقييم دور بري من زاوية إدارة العملية التشريعية خلال محطات مفصلية، ومن أبرزها قانون الإنتخابات لعام 2017، ويُشار هنا إلى أن البرلمان أقر قانون رقم 44 في 16 حزيران 2017 فاتحاً الطريق لانتخابات 2018، مع إصلاحات مهمة في الإطار الإنتخابي. وبحكم موقعه، كان بري جزءاً من إدارة هذا المسار داخل المجلس (جدولة، مفاوضات كتل، مخرجات لجان)، وهذا يُعتبر “إنجاز إدارة التوافق” لإنتاج قانون إنتخابي في بلد يصعب فيه الإتفاق.
في المقابل، تُظهر تغطيات حديثة أن الخلافات على تعديلات قانون الإنتخابات وملف إقتراع المغتربين عاد ليصبح ساحة إشتباك سياسي، وأن رئاسة المجلس تلعب دوراً مباشراً في توجيه المسار عبر إدراج البنود أو عدم إدراجها على جدول أعمال الهيئة العامة، وهذا ما أدى إلى انتقادات بين اتهامات التعطيل والمسؤولية عن الإنهيار. ومع ذلك، حتى كثير من الإنتقادات تعترف ضمناً بأن بري لاعب لا يمكن تجاوزه: فهو في نظر المنتقدين جزء من المشكلة، وفي نظر مؤيديه جزء من أدوات منع انفجار أكبر. وهذا التناقض هو ما يجعل تقييمه بالغ التعقيد.
في خلاصة تقييم بري، ما الذي يجعل دوره “مهماً” حتى مع الجدل؟
إذا أردنا تلخيص “أهمية دور نبيه بري” منذ 1992 حتى اليوم في نقاط قابلة للإستخدام في نص تحليلي/توثيقي، يمكن صياغتها كالآتي:
– رمزية الإستمرارية: توليه رئاسة المجلس منذ 1992 جعله عنصراً ثابتاً في نظام كثير الإنقطاعات، وهو ما يمنح موقعه قدرة على التأثير في التوازنات بمرور الزمن.
– تحويل الرئاسة إلى أداة تفاوض: عبر مبادرات الحوار (2006 وما بعدها) كرّس نموذجاً يعتبر الحوار السياسي بديلاً مؤقتاً عن انهيار المؤسسات عند الأزمات.
– وساطة داخلية – خارجية: تقارير حديثة تُبرز دوره كقناة تواصل في ملفات التهدئة والإتصال مع أطراف دولية – إقليمية، بما يعكس نفوذاً يتجاوز التشريع إلى الأمن والسياسة الخارجية الواقعية.
– تمثيل شريحة واسعة من الشيعة سياسياً: فهو قد ثبّت موقع الطائفة الشيعية في الحكم بعد الطائف، وهي نقطة تفسيرية لفهم قاعدة دعمه.
• من الألقاب التي أُطلقت على الرئيس نبيه برّي من مؤيديه ومن أخصامه على حدّ سواء:
1- مؤسس وراعي الحوار اللبناني الداخلي.
2- مهندس التوافقات السياسية في لبنان.
3- الأستاذ والرئيس والأمين العام والنبيه.
4- “جندي الطائف” وحامي حدوده.
5- الخبير في تدوير الزوايا وصمّام أمان الوطن.
6- القائد الملهم وصانع التوازنات السياسية في لبنان.
7- الطباخ الماهر في أروقة الغرف السياسية.
8- بيضة قبان التسويات.
9- أخطبوط السياسة والمواقف.
10- الأخ الأكبر للمقاومة.
وغيرها من التسميات والألقاب العديدة التي تميزه وتجعله زعيماً لبنانياً وعربياً بامتياز..
في الختام، إن منجزات الرئيس بري لا تُختصر فقط في قوانين أو جلسات، بل في قدرته على إدارة “العُقَد” اللبنانية: عقدة التوازن الطائفي، عقدة الحوار بين المحاور، وعقدة العلاقة بين الداخل والخارج، بالإضافة إلى أنه أحد أهم أعمدة الإستقرار السياسي في لبنان، وإن استمرار الجدل حوله يثبت في حد ذاته وزن موقعه، لأن اللاعبين الثانويين لا يُحَّملون عادة هذا القدر من المسؤولية.. إنه المايسترو.
فادي شلهوب يوسف
