أصبح النقاش السياسي في العالم العربي أسير ثنائيات تبسيطية لا تعكس الواقع بقدر ما تُريحه نفسياً. فإما أن يُفسَّر كل حدث باعتباره جزءاً من مخطط خارجي محكم، أو يُقدَّم بوصفه نشاطاً اقتصادياً وتنموياً منفصلاً تماماً عن الصراع والنفوذ.
وبين هذين التفسيرين المتقابلين، يضيع الفهم الجاد لطبيعة ما يجري في المنطقة، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، والأمن بالتجارة، والمصالح بالخطاب الأخلاقي.
في النظام الدولي المعاصر، لم تعد الموانئ وسلاسل الإمداد مجرد مشاريع استثمارية، بل تحولت إلى أدوات تأثير جيوسياسي.
السيطرة على عقد النقل البحري والمضائق لا تعني بالضرورة احتلالاً عسكرياً مباشراً، لكنها تتيح نفوذاً طويل الأمد في بيئات تعاني ضعف الدولة وتآكل القرار السيادي. لهذا فإن القول إن الاقتصاد لا يعمل إلا في الاستقرار يغفل حقيقة أن كثيراً من المشاريع الكبرى نُفذت تاريخياً في مناطق مضطربة، حيث تكون شروط التفاوض أكثر مرونة، وتكون السلطة المركزية أقل قدرة على فرض شروطها.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما جرى في اليمن أو على سواحله بمعزل عن تاريخه الداخلي المعقّد. الانقسام بين الشمال والجنوب ليس اختراعاً حديثاً، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية طويلة.
غير أن وجود مظالم تاريخية لا يجعل تحوّلها إلى كيان سياسي وعسكري منظم يحدث تلقائياً.
فالمظلومية وحدها لا تصنع مشروعاً، بل تحتاج إلى دعم ورعاية وبيئة إقليمية تسمح لها بالانتقال من الاحتجاج إلى السيطرة الميدانية.
وفي الوقت نفسه، فإن اختزال ما جرى في اليمن على أنه تنفيذ لمخطط انفصالي متكامل يتجاهل حجم التناقض والتذبذب في سلوك الفاعلين الإقليميين، بين دعم وانسحاب، وبين حضور وتقليص، وبين رهان ثم إعادة تموضع.
أما الحديث عن دور إسرائيل، فيحتاج إلى قدر أكبر من البرودة التحليلية.
فإسرائيل بحكم عقيدتها الأمنية تستثمر الفراغات ولا تنتظرها، وهذا ليس سراً. لكن تحويل كل تقاطع مصالح إلى دليل على وجود محور موحد يدير المنطقة من غرفة واحدة هو تبسيط غير دقيق.
فالتقاطع لا يعني التطابق، والتنسيق الظرفي لا يعني وحدة المشروع، خصوصاً في منطقة تتغير فيها الحسابات بتغير موازين القوى والضغوط الدولية والإقليمية.
الانسحاب من ساحات النزاع يُساء فهمه بدوره. فهو لا يُعد دليلاً قاطعاً على غياب المشروع، كما لا يمكن اعتباره برهان براءة.
غالباً ما يكون تعبيراً عن إعادة تقييم للكلفة والعائد، أو عن تغير الأولويات، أو عن إدراك محدودية القدرة على إدارة التعقيد المحلي.
السياسة الخارجية ليست مساراً مستقيماً، بل سلسلة من القرارات المتغيرة التي تتأثر بالضغوط والتحالفات والتكاليف غير المتوقعة.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود نفوذ خارجي أو غيابه، بل في البيئة التي تسمح له بالتمدّد. فضعف الدولة الوطنية، وانقسام المجتمعات، وغياب المشروع الداخلي الجامع، تجعل أي استثمار خارجي قابلاً للتحول إلى أداة تأثير سياسي وأمني. وعندما يُقدّم هذا التأثير بلغة اقتصادية بحتة، أو يُواجَه بخطاب تخويني شامل، فإن النتيجة واحدة، تعمية على جوهر المشكلة بدل معالجتها.
إن السياسة مهما ارتدت من أقنعة اقتصادية، تبقى سياسة، ومهما رُفعت من شعارات أخلاقية، تبقى خاضعة لمنطق المصالح.
والاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إدانة طرف ولا تبرئة آخر، بل محاولة لفهم واقع إقليمي معقّد لا يحتمل لا أساطير المؤامرة الشاملة ولا أوهام البراءة الكاملة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
