تعود إيران مجدداً إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، لا بوصفها دولة على وشك الانهيار، بل ككيان يعيش حالة توتر مزمن بين مجتمع مأزوم ونظام لا يزال متماسكاً.
فالمشهد الإيراني الراهن، على الرغم من ضجيج التحليلات المتفائلة بسقوط وشيك، يوحي بواقع أكثر تعقيداً وأقل درامية مما يُروَّج له في الخطاب الإعلامي والسياسي الخارجي.
الاحتجاجات التي تشهدها مدن إيرانية عدة ليست حدثاً استثنائياً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لكنها هذه المرة تأتي في سياق اقتصادي خانق: عملة تتآكل، تضخم ينهش الطبقة الوسطى، وشرائح واسعة لم تعد قادرة على تحمّل كلفة الحياة اليومية.
ومع ذلك، فإن انتقال الغضب الاجتماعي إلى لحظة سياسية فاصلة لا يزال معطَّلاً بفعل جملة عوامل داخلية وخارجية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تماسك الدولة العميقة
أحد أبرز أسباب فشل الرهانات على انهيار سريع للنظام الإيراني هو تماسك أجهزته الصلبة.
فالحرس الثوري، وقوات التعبئة، والأجهزة الاستخباراتية، لا تُظهر أي مؤشرات انقسام على مستوى القيادة، وهو العامل الحاسم في بقاء الأنظمة السلطوية. التاريخ القريب يعلّمنا أن الاحتجاجات، مهما اتسعت، لا تُسقط أنظمة ما لم تتفكك أدوات القوة أو تنقلب على ذاتها.
في المقابل، تعاني المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج، من تشتت واضح وغياب قيادة جامعة قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي بديل. فالأصوات المعارضة كثيرة لكن مراكز الثقل قليلة، والبرامج متناقضة والشرعية الشعبية غير محسومة.
وهم التدخل الخارجي
يتغذى جزء من الخطاب المعارض على انتظار اللحظة الأميركية أو الضربة الحاسمة التي ستقلب الموازين. غير أن قراءة سلوك الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تشير إلى العكس تماماً.
فواشنطن بغض النظر عن تبدّل الإدارات، باتت تنفر من الانخراط في صراعات مفتوحة، وتفضّل إدارة الأزمات لا تفجيرها.
التصعيد الكلامي لا يعني بالضرورة استعداداً للحرب، بل غالباً ما يكون أداة ضغط تفاوضي.
وعندما تصبح كلفة المواجهة غير محسوبة أو مفتوحة على فوضى إقليمية، تميل الولايات المتحدة إلى التراجع لا إلى المغامرة.
إيران بدورها تدرك هذه المعادلة، وتستثمر فيها لتعزيز موقعها التفاوضي لا لتفكيك نظامها من الداخل.
السيطرة على الفضاء الرقمي
في قلب المعركة الدائرة يبرز عامل بالغ الأهمية: السيطرة على تدفق المعلومات.
فالدولة الإيرانية لا تتعامل مع الإنترنت كمساحة حيادية بل كساحة صراع.
تعطيل خدمات الاتصال، والتشويش على أدوات التواصل البديلة، حوّل متابعة ما يجري داخل البلاد إلى عملية معقّدة، وأعاد إنتاج مشاهد قديمة تُقدَّم على أنها في الوقت الراهن.
هذا الفراغ المعلوماتي لا يحد فقط من قدرة الشارع على التنظيم، بل يمنح السلطة هامشاً أوسع لإدارة الأزمة بعيداً عن ضغط الرأي العام العالمي، ويُضعف في الوقت نفسه قدرة الخارج على بناء سياسات دقيقة مبنية على معطيات راهنة.
الاستقرار كخيار دولي
بعيداً عن الخطاب الأخلاقي، تتقاطع مصالح قوى دولية كبرى عند نقطة واحدة: تجنّب انهيار الدولة الإيرانية. فالفوضى في بلد بحجم إيران، جغرافياً وسياسياً، تعني زلزالاً إقليمياً يمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى.
لذلك ورغم الخلافات الحادة بين القوى الكبرى، يبقى الاستقرار المراقَب خياراً مفضّلاً على المجهول.
أزمة بلا نهاية قريبة
لا يعني ما سبق أن إيران تعيش حالة استقرار صحي، بل على العكس، هي دولة تعاني أزمة بنيوية عميقة، لكنها أزمة مؤجلة الانفجار لا أكثر.
النظام لا يسقط، لكنه أيضاً لا يعالج جذور الاحتقان الشعبي.
والمجتمع يغلي، لكنه يفتقر إلى أدوات التغيير الحاسم.
بين هذا وذاك، تستمر إيران في الدوران داخل حلقة مغلقة.
احتجاجات، قمع، تهدئة، ثم عودة إلى نقطة الصفر.
أما من ينتظر خلاصاً خارجياً، فغالباً ما سيجد نفسه أمام خيبة جديدة، لأن التحولات الكبرى حين تحصل، لا تُستورد جاهزة، بل تُصنع من الداخل، وبشروط الداخل نفسه.
