التحرّش بالأطفال: خطر خفي يتطلّب وعيًا مؤسسيًا وشراكة مجتمعية/ رقية حسن النجار
تُعد حماية الطفل من أولويات المجتمعات السليمة، إلا أن المفاهيم السائدة حول مصادر الخطر ما زالت قاصرة في كثير من الأحيان. فعلى الرغم من أن الخطف يُنظر إليه باعتباره التهديد الأكبر، تشير الوقائع الميدانية والدراسات الاجتماعية إلى أن نسبة التحرّش بالأطفال تفوق بكثير نسبة الخطف، وأن الخطر الحقيقي غالبًا ما يكون أقرب مما نتصور.
إن المقلق في قضايا التحرّش ليس فقط شيوعها النسبي، بل مكان حدوثها؛ إذ تُسجَّل النسبة الأكبر في بيئات يُفترض أنها آمنة، مثل المدارس، منازل الأقارب، أو ضمن الدائرة العائلية الموسّعة. هذا الواقع يفرض إعادة النظر في مفهوم “الأمان” القائم على الثقة المطلقة، واستبداله بثقافة وقائية واعية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
التحرّش: جريمة صامتة
بعكس الخطف الذي يُحدث صدمة فورية واستنفارًا عامًا، يتم التحرّش غالبًا في الخفاء، ويُمارَس بأساليب نفسية معقّدة، تتضمن التهديد، الترغيب، أو استغلال السلطة والعاطفة.
ولهذا، فإن الخوف من التحرّش أشد وأعمق أثرًا، لأن الطفل قد يعجز عن الإفصاح، أو يخشى عدم التصديق، أو يشعر بالذنب والخجل، ما يؤدي إلى آثار نفسية وسلوكية طويلة الأمد.
أولًا: دور الأهل
يشكّل الأهل خط الدفاع الأول في حماية الطفل، ويتجلّى دورهم في:
بناء علاقة حوار قائمة على الثقة والاحترام
تعليم الطفل أن جسده ملك له، ولا يحق لأحد انتهاكه
توضيح الفرق بين السلوك الآمن وغير الآمن بلغة تناسب العمر
ملاحظة أي تغيّر مفاجئ في السلوك أو الحالة النفسية
التعامل الجاد والمسؤول مع أي إفصاح من الطفل دون إنكار أو تبرير
إن تجاهل الإشارات أو التقليل من شأن الإفصاح يُعد تقصيرًا تربويًا وإنسانيًا.
ثانيًا: دور المدرسة وهذا أمر مهم جدا
تتحمّل المؤسسات التعليمية مسؤولية مضاعفة، كونها بيئة يقضي فيها الطفل جزءًا كبيرًا من يومه. ويشمل ذلك:
وضع سياسات واضحة لحماية الطفل
تدريب الكادر التعليمي على رصد مؤشرات التحرّش
إدراج برامج توعوية وقائية ضمن الأنشطة المدرسية
توفير قنوات آمنة للإبلاغ
تعزيز الشراكة مع الأهل
فالمدرسة الآمنة لا تُقاس فقط بالمناهج، بل بقدرتها على حماية طلابها نفسيًا وجسديًا.
ثالثًا: دور الجمعيات والمبادرات المجتمعية
تلعب الجمعيات دورًا محوريًا في سد الفجوة بين الأسرة والمؤسسة، من خلال:
إطلاق مبادرات توعوية مستدامة
تنظيم محاضرات للأهل والمعلمين
نشر ثقافة الوقاية بدل ثقافة الصمت
تدريب الأطفال على مهارات الدفاع عن النفس اللفظي والنفسي
المجتمع الواعي هو الذي يستثمر في الوقاية قبل أن يواجه الكارثة.
التوعية مسؤولية مشتركة
إن تنظيم محاضرات توعوية حول:
كيفية التصرّف عند التعرّض للتحرّش
آليات طلب المساعدة
كسر حاجز الخوف والصمت
ليس ترفًا فكريًا، بل واجب تربوي ومجتمعي، يهدف إلى تمكين الطفل لا إخافته، وحمايته لا عزله.
خاتمة:
إن حماية الطفولة لا تتحقق بالصمت أو الإنكار، بل بالوعي، والتشريع، والتعاون بين الأسرة، المدرسة، والمجتمع.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في الحديث عن التحرّش،
بل في تجاهله.
دراسة سريعه حول العالم من منظمة الأمم المتحدة للطفوله( اليونسيف)
تؤكد الدراسات الدولية أن التحرّش الجنسي بالأطفال لم يعد حالات فردية نادرة، بل تحوّل إلى خطر واسع الانتشار يفوق في نسبته جرائم الخطف بمراحل.
فالإحصاءات العالمية تشير إلى أن طفلًا من كل خمسة أطفال يتعرّض لأحد أشكال التحرّش أو العنف الجنسي قبل بلوغه سن الثامنة عشرة، في حين تبقى آلاف الحالات طيّ الصمت خوفًا أو خجلًا أو تحت ضغط اجتماعي.
والأخطر من ذلك أن معظم هذه الانتهاكات لا تقع في الشارع أو من غرباء، بل داخل أماكن يفترض أنها آمنة: المنزل، المدرسة، أو محيط الأقارب والمعارف، ما يجعل التحرّش جريمة صامتة يصعب اكتشافها.
وتحذّر المنظمات الدولية من أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، بسبب ضعف الإبلاغ، مؤكدة أن استمرار الصمت يضاعف الخطر ويطيل أمد معاناة الضحايا.مع الأسف
