كتبت ايناس فارس
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أي صبر هذا في عالم مفترس؟ وأي أخلاق يمكن أن تصمد أمام منطق القوة المطلقة؟
إشكاليتي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تنطلق من التشكيك بقدرات إيران، ولا من التقليل من تماسكها الداخلي، بل من الاعتراض على قيود تفرضها على نفسها منذ عقود، وتدفع ثمنها في لحظات تاريخية لا ترحم. قيود اسمها: العقيدة النووية وعقيدة الصبر الاستراتيجي. في عالم تُدار فيه الصراعات بالابتزاز والقوة العارية، لم تعد هذه العقائد توفّر ردعًا كافيًا، ولا تحمي أصحابها من الاستباحة.
منذ عام 2003، وباسم فتوى تحريم السلاح النووي، نزعت إيران عن نفسها ورقة كان يمكن أن تغيّر موقعها جذريًا. امتلاك القنبلة لم يكن ترفًا ولا تهديدًا مجانيًا، بل كان سيضع إيران في موقع لا يُختبر بسهولة: قوة إقليمية نووية تُحسب كلفة المواجهة معها قبل التفكير بها. وكان من شأن هذا الردع أن يوفّر ضمانة أمنية حقيقية، لا لإيران وحدها، بل لمحور كامل، وأن يفرض قواعد اشتباك أكثر توازنًا في الشرق الأوسط.
في المقابل، قامت المقاربة الإيرانية المعلنة على الصبر الطويل: من تأجيل الحسم، لتجنّب المواجهات الكبرى، وإدارة الصراع عبر أدوات غير متماثلة وحلفاء إقليميين. غير أن هذا الصبر، في بيئة عدائية مفتوحة، لا يراكم القوة بقدر ما يستنزفها، ويتحوّل إلى انتظار طويل لخصم يضرب من دون أن يُضرب، ويعيد رسم الوقائع من دون أن يدفع أثمانًا متناسبة.
والمفارقة أن السلاح النووي لا يقف في مواجهة الصبر الاستراتيجي، بل يمثّل ذروته. هو شكل من أشكال الردع الذي يمنع الحرب قبل وقوعها، ويغلق الباب أمام اختبار القوة، بدل تركه مفتوحًا على استنزاف طويل الأمد.
وسط كل ما يجري اليوم، من احتجاجات في الشارع وضغوط خارجية متصاعدة، بات من الضروري التذكير بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست نظامًا هشًّا يمكن إسقاطه بسهولة. نحن أمام منظومة معقّدة تقوم على دستور خاص وتوازنات دقيقة، وعلى واقع لا يجوز تجاهله: إيران دولتان داخل الدولة؛ دولة مدنية بمؤسساتها وإدارتها، وأخرى قائمة على الولاية بما تمثّله من سلطة دينية–سياسية عميقة. هذا النظام تشكّل على ركائز ثابتة: قاعدة اجتماعية واسعة، ومؤسسة دينية متجذّرة، وتحالف تاريخي مع البازار، وراكم عبر العقود خبرات كبيرة في إدارة التناقضات واحتوائها بدل الانفجار بها، وهو ما يفسّر قدرته على الاستمرار.
ويمكن فهم اللحظة الراهنة بدقة أكبر عند مقارنتها بمحطتين سابقتين. ففي عام 2009، كانت الأزمة سياسية-نخبوية مرتبطة بالانتخابات، مع حضور إصلاحي داخل النظام نفسه، وتمكّنت الدولة من احتوائها من دون كسر في مراكز القرار. أما في عام 2019، فجاء الانفجار اجتماعيًا -اقتصاديًا، واسعًا وأكثر عنفًا، لكنه افتقر إلى قيادة سياسية أو أفق تغييري واضح، وانتهى بإعادة تثبيت قواعد السيطرة من دون أي شرخ أو انقسام عمودي داخل بنية النظام.
بالمقارنة، تبدو الاحتجاجات الحالية أكثر تشتّتًا. ورغم مشروعيتها في جوهرها، لم تُترك هذه المرة لتتطوّر كمسار داخلي خالص، بل تعرّضت لعملية تدويل واختطاف من أطراف خارجية معادية دفعتها نحو مسار أمني. هذا التحوّل، بغضّ النظر عن حجمه أو طبيعته، أعاد تعريف المشهد من احتجاج قابل للاحتواء إلى تهديد سيادي، ومنح النظام هامشًا إضافيًا لإعادة إنتاج تماسكه.
وعليه، تبقى هذه الاحتجاجات، على خطورتها، ضمن النمط الذي يعرفه النظام جيدًا: ضغط شعبي مرتفع يقابله احتواء تدريجي، لا لحظة انهيار. فالشارع، مهما بلغ منسوب الغضب فيه، يبقى عاجزًا بنيويًا عن إسقاط النظام بمفرده. وما يجري غالبًا هو تجريد الحراك من مطالبه المعيشية والاجتماعية المشروعة، ودفعه نحو صدام أمني عبر تضخيم إعلامي، واستغلال حساسيات الأقليات، واستدعاء مجموعات فوضوية لخدمة هدف سياسي محدد. والتجارب الإقليمية شاهدة على ذلك: الشارع وحده لم يُسقط أنظمة، والحصار وحده لم يُنهِ دولًا، ولا يوجد مسار تلقائي يمكن أن يُسقط إيران عبر الاحتجاج فقط، بل يجري استثمار هذا الحدث سياسيًا ودوليًا وحقوقيًا لشرعنة ذريعة التدخل الخارجي تحت غطاء “الحماية”.
أما سيناريو السقوط الذي تلوّح به أطراف خارجية، فلا يصبح مطروحًا بجدية إلا في حال حدوث انقسام عمودي داخل بنية النظام نفسها: أي عند تصدّع التماسك داخل مؤسسة الولاية، أو الحرس، أو المرجعية الدينية العليا. وإيران تدرك تمامًا أن مكمن الخطر الحقيقي لا يأتي من الشارع، ولا من الخارج، ولا حتى من تلاقي الشارع المضلَّل مع الخارج المعادي. ما دون ذلك يبقى ضمن هامش السيطرة الذي راكمه النظام عبر عقود من إدارة الأزمات.
بين بلطجة ترامب وأحلام الكيان الصهيوني
تتقاطع بلطجة الخطاب الأميركي مع أحلام الكيان الصهيوني في كسر رأس المحور، وتصطدمان معًا بحدود القوة والواقع. فكلفة أي ضربة عسكرية على إيران باهظة، ونتائجها غير مضمونة. بل إن أي هجوم واسع قد يؤدي إلى التفاف داخلي حول القيادة بدل إضعافها، وهو ما نشهده حاليًا حتى في ظل الاحتجاجات. كما أن أي حرب شاملة ستفتح باب تصعيد إقليمي يصعب ضبطه.
هذا الإدراك لحدود القوة لا يقتصر على التحليل النظري، بل ينعكس حتى في الخطاب الأميركي نفسه، حيث تطغى لغة التهديد والاستعراض على أي استعداد فعلي لمواجهة شاملة. لذلك، يبقى خيار الحرب الواسعة مستبعدًا، ما لم تتوافر اختراقات داخلية حاسمة وغير معلنة تغيّر كلفة القرار جذريًا.
وفي السياق ذاته، يذهب بعضهم إلى الحديث عن استهداف رأس الهرم الديني والسياسي، سماحة المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو خيار لا يبدو عقلانيًا. فالمرشد الأعلى لا يمثّل مجرد قائد دولة، بل أعلى سلطة دينية وسياسية في البيئة الشيعية، ومرجعية جامعة لملايين الشيعة في أنحاء العالم. أي مساس به لا يعني ضربة لإيران فقط، بل فتح أزمة عابرة للحدود، تمتد من العراق ولبنان إلى اليمن، وصولًا إلى مجتمعات شيعية واسعة في الغرب. خطوة كهذه قد تحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للإدارة إلى مواجهة دينية–سياسية مفتوحة، بكلفة لا يمكن احتواؤها.
خيارات إيران الواقعية
وفق قراءات متقاطعة في الصحافة الدولية وتحليلات خبراء في شؤون الأمن الإقليمي، لا تبدو إيران طرفًا محاصرًا بلا خيارات، بل دولة ما زالت تمتلك عناصر المبادرة: مظلومية قابلة للتسييس، شرعية دفاعية، قدرة عسكرية فعلية، ومسرحًا إقليميًا مفتوحًا يمنحها هامش حركة واسعًا.
يشير محللون إلى أن الانتقال من الردع الكلامي إلى التلويح الجدي لا يتطلّب حربًا شاملة بقدر ما يتطلّب قرارًا سياسيًا واضحًا. بإشارة واحدة من المرشد، يمكن رفع كلفة المواجهة عبر أدوات معروفة: التلويح بإغلاق مضيق هرمز، تعطيل باب المندب، أو إعادة خلط الأوراق في الساحة العراقية، بما يفرض على الخصوم إعادة حساباتهم الإقليمية.
وتُجمع هذه التحليلات على أن مثل هذه الخطوات لا تعني اندفاعًا أعمى نحو مواجهة مفتوحة، بل استخدامًا محسوبًا لأوراق ضغط كفيلة بكسر المسار القائم، ونقل إيران من موقع ردّ الفعل إلى فرض إيقاع جديد على الصراع.
بالنتيجة، لا تُستهدف إيران لأنها ضعيفة، بل لأنها مكبّلة بعقائد لم تعد توفّر ردعًا كافيًا. وفي زمن بلا قواعد ثابتة، الصبر من دون قوة رادعة لا يشكّل حماية، بل يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الاختبار والضغط.
والأسئلة التي تفرض نفسها بهدوء اليوم:
هل يغامر ترامب بالفعل أم يكتفي بالتهديد؟
وهل يحتمل الكيان الصهيوني كلفة حرب تصل نيرانها إلى عمقه؟
وهل تواصل إيران إدارة الاستنزاف باسم الصبر، أم تقطع هذا المسار بردعٍ يغيّر قواعد اللعبة؟
إجابات هذه الأسئلة لا تُكتب في الخطابات، بل تُختبر في موازين القوة.
