لماذا تراجع دونالد ترامب عن ضرب إيران؟/ بقلم: آية يوسف المسلماني
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يكن قرار التراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران خطوة عاطفية أو مفاجئة بقدر ما كان انعكاساً لتعقيدات استراتيجية وسياسية واقتصادية متشابكة، اصطدمت جميعها بحسابات الربح والخسارة لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وخصوصاً في لحظة دولية وإقليمية شديدة الحساسية.
أول هذه التعقيدات يتمثل في غياب أي تقدير استخباري جدي يؤكد أن استهداف مواقع تابعة للحرس الثوري أو قوات الباسيج يمكن أن يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.
فالخبرة الأميركية الطويلة في المنطقة أثبتت أن الضربات العسكرية، مهما كانت دقيقة، لا تُنتج بالضرورة تحولات سياسية داخلية، بل غالباً ما تعزز تماسك الأنظمة المستهدفة تحت شعار العدوان الخارجي.
أما استهداف المنشآت النووية الإيرانية، فكان سيضع ترامب في مواجهة مباشرة مع تناقضاته الخطابية السابقة، بعدما قلّل مراراً من شأن البرنامج النووي الإيراني وفاعليته.
ضربة من هذا النوع كانت ستعيد فتح ملف مصداقية تصريحاته، وتثير تساؤلات داخلية وخارجية حول دقة تقديراته وقراراته.
العامل الأخطر وربما الأكثر إلحاحاً، هو عدم القدرة على ضبط رد الفعل الإيراني.
صاروخ واحد موجّه نحو دولة خليجية كفيل بإشعال الأسواق العالمية، ورفع أسعار النفط، وضرب الاستقرار الاقتصادي الدولي.
في عام انتخابي، لا يستطيع ترامب تحمّل تبعات صدمة نفطية تُضاف إلى معدلات تضخم مرتفعة وغلاء معيشي يطال المواطن الأميركي مباشرة.
إلى ذلك فإن أي ضربة عسكرية محدودة تحمل في طياتها قابلية عالية للتحول إلى مواجهة واسعة، في منطقة تعجّ بالقواعد العسكرية، والتحالفات المتداخلة، والجبهات المفتوحة.
حرب من هذا النوع لا تملك واشنطن، حتى الآن تصوراً واضحاً لكيفية إنهائها أو التحكم بمسارها، وهو ما يُعرف في أدبيات القرار العسكري بغياب سيناريو النهاية.
من هنا، لم يكن مستغرباً أن تنصح دول خليجية وإسرائيل نفسها بالتريث.
فهذه الأطراف رغم عدائها العلني لإيران، تدرك أن انهيار النظام الإيراني أو إدخال البلاد في فوضى شاملة سيُطلق ديناميات خطيرة يصعب احتواؤها.
إيران دولة يناهز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، وتضم خليطاً معقداً من القوميات والإثنيات، وأي فراغ سياسي فيها قد يفتح الباب أمام اقتتال داخلي طويل الأمد، لا يخدم أحد.
كما أن الرهان على بديل جاهز للنظام الحالي يبدو وهمياً.
فترامب لا يرى في نجل شاه إيران السابق شخصية قادرة على الإمساك بزمام السلطة، ولا توجد معارضة منظمة تمتلك الشرعية أو القوة الكافية لقيادة انتقال سياسي سلمي.
سياسياً كان ترامب يستعد للترويج لما يسميه سلاماً تاريخياً في الشرق الأوسط، مع خطاب مرتقب في دافوس.
ومن الصعب التوفيق بين خطاب سلامي وصواريخ تشق سماء المنطقة في التوقيت نفسه، من دون الإضرار بالصورة التي يسعى إلى ترسيخها دولياً.
ولا يمكن فصل القرار عن الواقع الداخلي الأميركي، حيث يواجه ترامب انتقادات متزايدة تتهمه بإهمال هموم المواطن الاقتصادية لصالح مغامرات خارجية مكلفة وغير مضمونة النتائج.
ورغم كل ذلك لا يعني التراجع إلغاء الخيار العسكري نهائياً.
فنهج ترامب القائم على المفاجأة وترك الخصوم في حالة ترقب دائم، يجعله أقرب إلى تأجيل الضربة لا شطبها.
فالتقارير التي تحدثت عن نقص الجاهزية العسكرية الأميركية في المنطقة، والحاجة إلى تعزيز القوة النارية، تعكس أن القرار كان تقنياً بقدر ما هو سياسي.
خلاصة القول ما جرى ليس تراجعاً بقدر ما هو إعادة تموضع.
ترامب الذي لا يمكن التنبؤ بخطوته التالية بسهولة، اختار هذه المرة أن يمنح الدبلوماسية الإقليمية هامشاً أوسع، وأن يؤجل المواجهة المفتوحة إلى حين توافر ظروف يراها أكثر ملاءمة.
لكن الشرق الأوسط كما أثبتت التجربة، لا يمنح ترف الانتظار طويلاً.
