غرينلاند واختبار القوة الأمريكية… حين يصبح الحليف أخطر من الخصم/ آية يوسف المسلماني
لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة نائية في أقصى شمال الأطلسي، بل تحوّلت إلى عنوان سياسي يعكس طبيعة التحولات الجارية في ميزان القوة الدولي.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فمجرد تداول سيناريو استيلاء عسكري عليها يفتح باباً واسعاً للأسئلة، لا حول القدرة الأمريكية على فرض الأمر الواقع، بل حول كلفة ذلك على شبكة التحالفات التي قامت عليها الهيمنة الغربية لعقود.
من الناحية العسكرية قد يبدو ميزان القوة واضحاً لمصلحة الولايات المتحدة، بما تملكه من تفوق عسكري يجعل من الصعب على أي دولة أوروبية مواجهتها بشكل مباشر.
غير أن اختزال المشهد في هذا البعد وحده يغفل حقيقة أساسية وهي أن الصراعات الكبرى في عالم اليوم لم تعد تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في الأسواق، والتحالفات، وشرعية الفعل السياسي.
أوروبا رغم غياب خيار المواجهة العسكرية عن طاولتها، لا تقف في موقع العجز.
فهي أكبر كتلة اقتصادية متماسكة في العالم، وتشكل سوقاً حيوية للاقتصاد الأمريكي.
أي صدام حاد بين الطرفين لن يكون صداماً عسكرياً تقليدياً، بل مواجهة متعددة الأبعاد تمتد من المال إلى التجارة، ومن النفوذ السياسي إلى العمق الاستراتيجي.
تستضيف الدول الأوروبية عشرات القواعد الأمريكية، ويتمركز على أراضيها أكثر من مئة ألف جندي أمريكي في إطار تفاهمات سياسية وقانونية واضحة.
هذا الوجود الذي شكّل لعقود أحد أعمدة القوة الأمريكية، قد يتحوّل إلى عبء في حال اعتُبرت واشنطن قوة معتدية، بما يفتح الباب أمام إعادة النظر في طبيعة هذا الانتشار وكلفته.
أما اقتصادياً تملك أوروبا أدوات ضغط قادرة على إرباك واشنطن.
فاحتفاظها بكميات ضخمة من السندات الأمريكية يمنحها هامشاً مؤثراً في الأسواق المالية، كما أن أي عقوبات أوروبية منسّقة حتى ولو كانت محدودة، ستصيب الشركات الأمريكية الكبرى بنزيف مباشر، لا سيما تلك التي تعتمد في قيمتها على الوصول الحر إلى السوق الأوروبية.
ولا يقتصر الأمر على المال والتجارة، بل يمتد إلى سلاسل التوريد العالمية، حيث تلعب الشركات الأوروبية الكبرى دوراً محورياً.
أي تعطيل أو تقييد في هذا المجال لن يبقى أثره محصوراً في الإطار السياسي، بل سينعكس مباشرة على الإقتصاد الأمريكي وأسواقه الداخلية.
أما على المستوى النقدي ورغم مكانة الدولار العالمية، فإن جزءاً مهماً من سيولته وحركته يمر عبر النظام المالي الأوروبي.
وأي إعادة توجيه مالية منسّقة قد لا تُسقط الدولار، لكنها كفيلة بإضعافه وإرباك استقراره.
في هذا المشهد، تبرز الصين بوصفها المستفيد الأكبر من أي تصدّع في العلاقة الأمريكية_الأوروبية.
فكل خطوة تصعيدية غير محسوبة قد تدفع أوروبا إلى البحث عن شراكات بديلة، تعيد رسم التوازنات الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية.
يبقى السؤال الأكبر متعلقاً بحلف شمال الأطلسي، الذي قام على مبدأ الدفاع الجماعي. فإذا كانت الدولة التي تبادر باستخدام القوة ضد أرض أوروبية هي قائدة الحلف نفسها، فإن ذلك يضع الناتو أمام أزمة وجودية تمس جوهر شرعيته ودوره.
غرينلاند في هذا السياق ليست مجرد جزيرة، بل مرآة تعكس حدود القوة حين تُستخدم دون حساب دقيق لتكلفتها السياسية.
ففي عالم اليوم، لا تُقاس الهيمنة فقط بما تملكه الدول من قوة، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من حلفاء بعد اتخاذ القرار الأخطر.
