في كل مرحلة مفصلية يمرّ بها لبنان، وخصوصًا الجنوب، تظهر أصوات نشاز تحاول العبث بالوعي الجماعي وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى زمن الفتن والانقسامات التي دفعنا جميعًا ثمنها دمًا وخرابًا. اليوم، وبشكل مريب، نشهد تصاعد خطابات تحريضية تستهدف العلاقة بين مكوّنات الثنائي الوطني، في محاولة واضحة لتفتيت قوة شعبية مقاومة شكّلت عبر العقود صمّام أمان للجنوب ولبنان.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
هذه الأصوات الموتورة لا تعمل في الفراغ، ولا يمكن فصل خطابها عن مصلحة العدو الصهيوني الذي فشل تاريخيًا في كسر هذه البيئة الصلبة، فيلجأ اليوم إلى أدوات داخلية تحاول ضرب الوحدة من الداخل، وبث الشك، وإشعال الفتنة بين أبناء الصف الواحد.
الأخطر في ما يجري ليس فقط مضمون الخطاب، بل تزامنه مع حملات دعائية منظّمة تُضخّ عبر منصّات التواصل، وخصوصًا عبر اليوتيوب، حيث تُروَّج مواد إعلامية تحاول شيطنة رجل واحد، وتشويه صورته، وتحميله مسؤوليات مفتعلة، في سياق واضح من الاستهداف المنهجي المقصود.
وهنا يصبح من الضروري قراءة المشهد بوضوح: عندما تتجه أصابع الاتهام كلّها نحو شخص واحد، وعندما يُعاد إنتاج الخطاب نفسه على المنابر والإعلام الرقمي، فإننا لسنا أمام نقاش سياسي طبيعي أو اختلاف ديمقراطي، بل أمام معركة سياسية واضحة المعالم.
المعركة اليوم، بكل بساطة، تستهدف دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري، ودوره، وموقعه، ورمزيته الوطنية.
ولا يمكن فصل هذه الحملة عن تركّز الأصوات التحريضية في قضاء الزهراني وإقليم التفاح تحديدًا. والسؤال المشروع هنا: لماذا هذه المناطق بالذات؟ ولماذا الآن؟ ولماذا لا نسمع الخطاب نفسه في دوائر أخرى؟
الجواب واضح لكل من يقرأ الواقع بوعي: لأن هذه الدائرة تمثّل ثقلًا سياسيًا وشعبيًا حقيقيًا، ولأن استهدافها هو محاولة لضرب هذا الثقل من الداخل عبر الفتنة، بعد العجز عن المواجهة المباشرة.
إن ما نشهده اليوم هو محاولة لنقل الصراع من ساحة سياسية واضحة إلى حرب تشويه داخلية، هدفها إضعاف وحدة الصف، وتفكيك البيئة الشعبية الوطنية المقاومة، وهو ما يخدم – عن قصد أو عن جهل – مشروع العدو الصهيوني الذي طالما راهن على الانقسام الداخلي بعدما فشل في فرض خياراته بالقوة.
من هنا، تقع المسؤولية على عاتق الجميع: على القواعد الشعبية، وعلى القيادات، وعلى كل صاحب رأي، أن ينتبه لخطورة هذا الخطاب، وأن يميّز بين النقد السياسي المشروع وبين التحريض الذي يفتح أبواب الفتنة. فالوحدة اليوم ليست شعارًا، بل ضرورة وطنية وأمنية، وحمايتها واجب لا يحتمل التهاون.
الجنوب الذي صمد في وجه العدوان قادر اليوم أيضًا على إفشال محاولات الفتنة وتشويه الرموز، لأن الفتنة إذا اشتعلت لا تُصيب طرفًا دون آخر، وقد قالها التاريخ مرارًا: الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها.
