المواطنة أولًا: حين يصبح نقد السلطة واجبًا وطنيًا / غنى شريف
في ظل ما يجري في لبنان من أزمات متراكمة، لم يعد النقاش العام ترفًا سياسيًا ولا خروجًا عن الإجماع، بل أصبح ضرورة وطنية تمليها المواطنة الصادقة والحرص على حماية الأرض والإنسان. فالدولة لا تُحمى بالصمت، ولا تُصان بالتغاضي عن الأخطاء، بل بالمساءلة التي تشكّل جوهر أي نظام ديمقراطي سليم.
إن نقد أداء الرؤساء وأصحاب السلطة العامة هو حق مشروع، بل واجب، عندما يثبت أن هذا الأداء يؤثر سلبًا على حماية الوطن وأبنائه، أو يهدد وحدته واستقراره. فلا يمكن لمن تولّى سلطة عامة وأُؤتمن عليها باسم الشعب أن ينقلب على هذه الأمانة، أو يتجاوز حدود المسؤولية دون مساءلة. فالسلطة ليست امتيازًا شخصيًا، بل تكليف يخضع للمحاسبة.
لبنان، بتنوعه وتعدديته، لا يحتمل منطق تغليب الطائفة على الوطن، ولا يمكن أن يُدار بعقلية الانقسام. فالأرض تجمع الجميع، والانتماءات الضيقة تبقى خيارات فردية، أما الوطن فلا خيار لنا عنه ولا بديل. ومن هنا، تصبح المواطنة الإطار الجامع الذي يعلو فوق كل اعتبار، ويشكّل الأساس الحقيقي لحماية البلاد.
إن مراكز السلطة في جوهرها مستمدة من الشعب، وشرعيتها لا تكتمل إلا باحترام قراره وإرادته. فاحترام قرار الشعب ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل التزام أخلاقي ودستوري ملزم في كل الظروف. وحين تُفرغ السلطة من مضمونها التمثيلي، وتبتعد عن هموم الناس وأمنهم ومستقبلهم، فإن النقد يتحول من حق إلى ضرورة وطنية.
في لبنان اليوم، لا يمكن إنقاذ الوطن إلا بتماسك أبنائه، وبإعادة الاعتبار لقيم المواطنة، وببناء دولة تحاسب ولا تحابي، وتحمي ولا تقمع، وتصغي لإرادة الناس بدل الالتفاف عليها. فالوطن لا يُحمى بالأشخاص، بل بالمبادئ، ولا يُصان إلا عندما تكون المواطنة فوق كل انقسام.
