“من الفصول التقليدية إلى الفصول الرقمية: رحلة التعليم العالمي بين 2019 و2026”/ رقية حسن النجار
يُحتفل في 24 يناير من كل عام بـ اليوم العالمي للتعليم، الذي أعلَنته الأمم المتحدة في ديسمبر 2018 تأكيداً على أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وأداة محورية لتحقيق السلام والتنمية المستدامة في العالم.
التعليم قبل جائحة كوفيد-19 (2019)
قبل عام 2020، كان نظام التعليم في أغلب دول العالم يعتمد بشكل رئيسي على التعليم الحضوري التقليدي داخل الصفوف الدراسية، ويواجه تحديات تتعلق بـ:
تفاوت جودة التعليم بين الدول والمناطق.
صعوبات في إدماج الأطفال المهاجرين واللاجئين داخل نظم التعليم الوطنية.
تفاوتات في فرص الوصول للتعليم الجيد خصوصاً في دول الجنوب العالمي.
هذا النموذج كان مستقراً نسبياً لكنه غير شامل تماماً ولم يكن يستفيد بشكل واسع من الوسائل الرقمية في العملية التعليمية.
صدمة كوفيد-19 (2020) وتأثيرها في التعليم
بحلول عام 2020، أدّت جائحة كوفيد-19 إلى أكبر تعطيل في تاريخ نظم التعليم الحديثة. فقد تم إغلاق المدارس في معظم دول العالم، مما أثر على أكثر من 1.5 مليار طالب في أكثر من 165 دولة.
United Nations
أبرز التأثيرات:
التوقف الكلّي للتعليم الحضوري لفترات طويلة.
United Nations
التفاوت الكبير في قدرة الطلاب على الوصول إلى التعليم، خصوصاً في المناطق الفقيرة.
المرصد
تحولٌ طارئ إلى التعليم عن بُعد والتعليم الإلكتروني، ما دفع المعلمين والطلاب إلى تبني وسائل رقمية غير مسبوقة في كثير من المناطق.
United Nations
من الاستجابة إلى التحوّل: التعليم في سنوات 2021–2023
بمرور الجائحة وبدء تبادل الخبرات، شهد العالم:
تطوير أساليب التعليم المدمج (دمج بين الحضوري والرقمي).
تعزيز منصات تعليم إلكترونية لتدريس المحتوى والتقييم عن بُعد.
إبراز أهمية المرونة في أنظمة التعليم، بحيث يكون التعلم مستمراً في الظروف المختلفة.
هذه التغييرات لم تكن مجرد حلول مؤقتة، بل شكّلت بداية تحول استراتيجي في فهم التعليم ودوره في الحياة المعاصرة.
اتجاهات التعليم الحديثة (2024–2026)
مع قرب عام 2026، بدأت تتضح ملامح التحول طويل الأمد:
تُركّز استراتيجيات التعليم على المهارات المستقبلية، مثل التفكير النقدي، تقنية المعلومات، والقدرة على التكيف.
ظهر تركيز عالمي على التعلّم مدى الحياة، بدل التركيز فقط على المرحلة المدرسية أو الجامعية.
UNESCO
قمة تحويل التعليم (Transforming Education Summit) أكدت أهمية إعادة تصميم التعليم ليتناسب مع التحديات المتسارعة في القرن الـ21 مثل التغير المناخي، النزاعات، والفجوات الاجتماعية.
United Nations
اعتماد تقنيات جديدة في التعليم مثل الذكاء الاصطناعي، الواقع الافتراضي، والتعلم التحليلي (جزء من ما يُعرف بـ Education 5.0)
مقارنة بين التعليم قبل كوفيد وبعده
البعد
قبل كوفيد-19
بعد كوفيد-19
أسلوب التدريس
تقليدي حضوري
مزيج بين حضوري ورقمي (هجين)
الاعتماد على التقنية
محدود
عالي ومتزايد
المرونة
منخفضة
عالية
الوصول إلى التعليم
غير متكافئ
ازدادت الفجوات لكنها ظهرت حلول رقمية جديدة
استدامة التعلم
أقل
أكثر توجهاً نحو التعلم مدى الحياة
الدروس المستفادة واستراتيجيات المستقبل
أبرز ما تعلمته أنظمة التعليم في السنوات الأخيرة:
المرونة الرقمية ليست بديلاً بل جزء من منظومة تعليم جديدة تستجيب لأي ظرف.
أهمية المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا لضمان عدم تفاقم الفجوة التعليمية.
ضرورة الاستثمار المستمر في تطوير المعلمين وقدراتهم على استخدام التكنولوجيا بفعالية.
بين عامي 2019 و2026، تحول التعليم من نموذج تقليدي إلى منظومة أكثر تنوعاً ومرونة واستدامة. لقد أظهرت جائحة كوفيد-19 نقاط ضعف التعليم، لكنها أيضاً فتحت الباب أمام ابتكارات استراتيجيات تعليمية جديدة تؤسس لمستقبل يكون فيه التعلم حقاً للجميع بشكل أكثر عدلاً وكفاءة.
من هنا نتطلع:
التعلّم… حقٌّ إنساني ومسؤولية حضارية في عالم متغيّر
في اليوم العالمي للتعلّم، نقف أمام مفهومٍ لم يعد محصورًا في جدران الصفوف ولا في سنواتٍ عمرية محددة، بل أصبح مسار حياة متجدّد، وركيزة أساسية لبناء الإنسان القادر على الفهم، والتكيّف، والمشاركة الفاعلة في مجتمعه.
لقد أثبتت التحوّلات العالمية المتسارعة أن التعلّم لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، تفرضها متطلبات العصر الرقمي، وسوق العمل المتغيّر، والتحديات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها الإنسان المعاصر. فالتعلّم اليوم هو الأداة الأهم لتمكين الفرد، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق التنمية المستدامة.
ومع ما شهده العالم في السنوات الأخيرة من أزمات، ولا سيما جائحة كوفيد-19، أعيد تشكيل مفهوم التعلّم بطرق غير مسبوقة. انتقل التعليم من النمط التقليدي إلى فضاءات رقمية مفتوحة، وبرزت استراتيجيات التعليم عن بُعد، والتعلّم المدمج، والتعلّم الذاتي، مما أتاح فرصًا جديدة، وكشف في الوقت نفسه عن فجوات تتطلب معالجة واعية وعادلة.
إن اليوم العالمي للتعلّم ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل محطة تأمل ومساءلة:
هل نوفّر تعلّمًا نوعيًا للجميع؟
هل نراعي الفروق الفردية واحتياجات المتعلمين النفسية والاجتماعية؟
وهل نُعدّ المعلم ليكون قائدًا تربويًا ومُلهِمًا، لا ناقل معرفة فقط؟
من هنا، تبرز أهمية الاستثمار في التعلّم المبتكر، القائم على التفكير النقدي، والإبداع، وبناء المهارات الحياتية، وتعزيز القيم الإنسانية. تعلّم يُنمّي العقل والوجدان معًا، ويصنع إنسانًا متوازنًا، قادرًا على التعلّم المستمر ومواجهة المستقبل بثقة.
في اليوم العالمي للتعلّم، نؤكد أن التعلّم هو الجسر الحقيقي نحو عالم أكثر وعيًا، وأكثر إنصافًا، وأكثر إنسانية.
بقلم الاستاذة رقية حسن النجار
