لبنان على خط النار… جسر جوي عسكري وحياد مُفخَّخ قبيل المواجهة الكبرى/ آية يوسف المسلماني
في الحروب الكبرى لا تبدأ المعركة بإطلاق الصواريخ، بل بتهيئة الأرض واختبار الجغرافيا وبناء شبكات الدعم اللوجستي بعيداً عن الأضواء.
في هذا التوقيت الإقليمي بالغ الحساسية، لا يبدو لبنان خارج هذه المعادلة بل في قلبها، رغم الخطابات الرسمية التي تُصر على توصيف موقعه بالحياد.
فبينما تتجه المنطقة نحو تصعيد مفتوح مع إيران، تتكشّف معطيات مقلقة عن دور غير مُعلن يُراد للبنان أن يؤديه، لا كمشارك مباشر في الحرب، بل كمنصة خلفية للدعم وعبور العمليات العسكرية في أي مواجهة محتملة.
خلال أقل من خمسة وعشرين يوماً، سُجِّل وصول أكثر من ثلاثين طائرة عسكرية أميركية وأوروبية إلى مطار بيروت، وفق معطيات متداولة في الأوساط المتابعة لحركة الملاحة الجوية.
هذه الطائرات التي لا تندرج ضمن الرحلات الدبلوماسية التقليدية، حملت تجهيزات عسكرية ومعدّات لوجستية، وعناصر يُرجَّح ارتباطها بمهام خاصة تتجاوز الإطار البروتوكولي.
هذا الحراك الجوي المكثّف لا يمكن فصله عن شبكة أوسع من النشاط العسكري في لبنان، تمتد من مطار بيروت إلى منشآت وقواعد في شمال البلاد، وفي مقدّمها محيط قاعدة حامات.
وعند جمع هذه العناصر، لا يبدو المشهد مجرّد إجراءات أمنية اعتيادية، بل أقرب إلى نمط تحضيرات مسبقة تُستخدم فيها الدول الهشّة كعُقد لوجستية متقدمة.
وهو ما يعيد طرح مسألة موقع لبنان الفعلي في هذه المعادلة، خصوصاً أن هذا كلّه يجري في الوقت نفسه الذي تُطالب فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها لبنان بالالتزام بالحياد في حال اندلاع حرب مع إيران.
حياد يُراد له أن يكون سياسياً وإعلامياً فقط، فيما تُستثمر الجغرافيا اللبنانية ومرافقها الحيوية ضمن حسابات عسكرية لا يملك اللبنانيون قدرة فعلية على ضبطها أو مساءلتها.
هنا لا يعود السؤال هل لبنان محايد؟
بل هل يُسمح له أصلاً أن يكون كذلك؟
هذا التناقض دفع قوى وشخصيات لبنانية من اتجاهات مختلفة إلى التحذير من مخاطر تحويل البلاد إلى منصة لوجستية لمشاريع عسكرية خارجية، لما يحمله ذلك من احتمالات توريط لبنان في مواجهة لا يملك قرارها ولا قدرة له على تحمّل نتائجها.
في هذا السياق، صدرت مواقف سياسية لبنانية اعتبرت أن أي تصعيد واسع في المنطقة، بما فيه استهداف إيران، لا يمكن فصله عن مسار ضغوط إقليمية متشابكة، ستكون انعكاساته مباشرة على الساحة اللبنانية.
لكن السؤال الأخطر يبقى معلّقاً:
هل الدول التي تطالب بعدم انخراط أي طرف لبناني في المواجهة، ستلتزم فعلاً بالحياد إذا اندلعت الحرب؟
أم أن القواعد والمنشآت اللوجستية المنتشرة على الأراضي اللبنانية ستتحوّل عند لحظة الصفر، إلى منصات عسكرية تجر البلاد مجدداً إلى قلب النار؟
التجربة اللبنانية مع الضمانات الدولية لا تدعو إلى الاطمئنان.
فلبنان كان دائماً ساحة مستباحة حين تتقاطع مصالح الكبار، ودائماً الخاسر الأول حين تُكسر التوازنات.
واليوم في ظل دولة ضعيفة وقرار سياسي منقسم، يصبح خطر الانزلاق أكبر، ويغدو الحياد المعلن أقرب إلى وهم جميل يُخفي تحته وقائع أكثر قسوة.
إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط احتمال الحرب، بل الصمت الرسمي وغياب الشفافية، ومحاولة تمرير أدوار خطيرة تحت عناوين مطمئنة. فالحياد الحقيقي لا يُقاس بالبيانات، بل بمنع تحويل الأرض إلى ممر حرب.
وإلى أن يُحسم هذا الخيار وطنياً وبوضوح، سيبقى لبنان واقفاً على خط النار.
لا هو خارج المواجهة، ولا هو قادر على تحمّل كلفتها، لكنه مهدّد كعادته بدفع الثمن كاملاً.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
