بين الطفولة والنضوج… حين تضيع الأعمار بصمت»/ رقيه حسن النجار
لم يعد سرًّا أن كثيرًا من الأطفال اليوم لا يعيشون أعمارهم، بل يُدفَعون دفعًا إلى أدوار أكبر منهم، ومسميات لا تشبههم، وتوقعات لا تحتملها قلوبهم الصغيرة.
نسمعها يوميًا وبكل فخر: «صار رجال»، «صارت صبية»، وكأن الطفولة تهمة، وكأن البراءة نقص، وكأن اللعب عيب يجب التخلص منه مبكرًا.
طفلك ليس رجلًا، حتى لو بدا قويًّا.
وابنتك ليست امرأة، حتى لو تصرفت بهدوء أو تحملت مسؤولية أكبر من عمرها.
ما نراه نضوجًا مبكرًا، هو في كثير من الأحيان حرمان مبكر.
نحن لا نربّي أبناءنا على القوة…
نحن أحيانًا نربّيهم على الكبت.
لا نعدّهم للحياة…
بل نسرق منهم الحياة خطوة خطوة.
حين نطلب من الطفل أن “يفهم أكثر من عمره”،
أن “يتحمّل”،
أن “يعقل”،
نحن لا نسرّعه نحو النضوج، بل نختصر طريقًا كان يجب أن يُعاش بكل تفاصيله.
الطفولة ليست محطة عابرة، بل أساس نفسي، ومن يتجاوز الأساس، ينهار لاحقًا ولو بدا ثابتًا الآن.
أطفال كبروا ظاهريًا، لكنهم تعبوا باكرًا.
مراهقون لم يمرّوا بطفولة سليمة، فدخلوا النضوج مثقلين بالفراغ.
راشدون يحملون في داخلهم طفلًا لم يُسمح له يومًا أن يكون طفلًا.
والأخطر؟
أن كل هذا يحدث بصمت…
دون صراخ، دون دموع ظاهرة، دون انتباه من الأهل الذين يظنون أنهم “أحسنوا التربية”.
التربية ليست استعجال النتائج.
والنضوج لا يُفرض، ولا يُستعار، ولا يُقلَّد.
النضوج الحقيقي يأتي عندما تُعاش كل مرحلة في وقتها، بفرحها وأخطائها وأسئلتها وبطئها الجميل.
دعوا أبناءكم يكبرون كما خُلقوا:
أطفالًا أولًا…
ثم مراهقين…
ثم راشدين.
لا تسرقوا منهم أعمارهم باسم الحب،
ولا تختصروا الطريق باسم التربية.
فبعض الأعمار…
إذا ضاعت في الصمت،
لا تعود أبدًا.
«لم أعرف كيف أفرح»،
«كبرت بسرعة ولم أفهم نفسي»،
«تحمّلت أكثر مما يجب وأنا طفل»…
علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل بصدق مؤلم: من سرق منهم أعمارهم؟
جيلٌ يبدو قويًّا من الخارج، لكنه مرهق من الداخل.
جيلٌ أتقن الصمت لأنه تعلّم باكرًا أن لا أحد ينتظر ضعفه.
جيلٌ لم يُدلّل، لم يُحتوَ، لم يُسمَح له أن يخطئ، ثم طُلب منه فجأة أن يكون متوازنًا، ناضجًا، ومستقرًا.
هؤلاء لم يفشلوا في الحياة…
نحن الذين استعجلناهم عليها.
فإن أردتم أبناءً أصحّاء غدًا،
توقّفوا اليوم عن قتل الطفولة بهدوء.
فالندوب التي تُزرع في الصغر،
تتكلم عاليًا في الكِبر…
حتى لو بدأ الجرح بصمت.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
