حين يُصلب المعلم بين لقمة العيش وسوط الإدارة: من يرحم مربّي الأجيال في لبنان؟
بقلم الأستاذة المربية رقيه حسن النجار
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم تعد مهنة التعليم في لبنان تكفي لسدّ أبسط مستلزمات الحياة. المعلم الذي كان يومًا عماد النهضة، وصانع الوعي، ومربّي الأجيال، بات اليوم يحصي ما تبقّى من كرامته قبل أن يحصي ما تبقّى من راتبه.
راتب لا يكفي دواءً، ولا فاتورة كهرباء، ولا حتى أبسط مقومات العيش الكريم.
أمام هذا الواقع القاسي، لم يعد أمام المعلم خيار إلا البحث عن مصدر دخل إضافي: درس خصوصي، عمل بعد الدوام، أو حتى وظيفة موسمية في العطلة. ليس ترفًا، ولا طمعًا، ولا استغلالًا… بل حق طبيعي لإنسان يسعى ليعيش بكرامة.
لكن السؤال المؤلم:
هل تُترك له المساحة ليلتقط أنفاسه؟
هل تحترم بعض الإدارات المدرسية وقته خارج الدوام؟
هل تُصان عطلته من سيل الاجتماعات والطلبات والتقارير والانتقادات؟
بدل أن يُقابَل تعبه بالتقدير، يُقابَل بالتشكيك.
بدل أن يُدعَم، يُراقَب.
بدل أن يُحتوى، يُنتقَد من منسّق هنا، ويُحاصَر بملاحظات هناك، ويُستدعَى بسبب شكوى من وليّ أمر يرى في نفسه وصيًا على المربي قبل أن يكون شريكًا في التربية.
أي معادلة هذه؟
مدرّس يسعى لرزقه…
إدارة تضغط بلا هوادة…
أهل غافلون لا يرون إلا زاوية أبنائهم…
والضحية دائمًا: المعلم.
المعلم ليس آلة تعليم، وليس موظفًا تحت الطلب 24 ساعة. هو إنسان له بيت، وأولاد، والتزامات، وأحلام مؤجلة. له حق في أن يعمل خارج دوامه، وحق في أن يرتاح في عطلته، وحق في أن يُعامَل باحترام لا بريبة.
إن إرهاق المعلم نفسيًا وماديًا لا يصنع تعليمًا أفضل، بل يصنع احتراقًا داخليًا صامتًا. ومعلمٌ مُنهَك لا يستطيع أن يمنح طلابه شغفًا وهو فاقد للأمان.
رسالة إلى بعض المنسقين والإداريين:
الإدارة ليست سلطة، بل مسؤولية.
والرقابة ليست تضييقًا، بل دعمًا.
والمعلم ليس خصمًا يجب تطويقه، بل شريكًا يجب تمكينه.
ورسالة إلى بعض الأهالي:
التربية شراكة، لا ساحة اتهام.
والاحترام المتبادل هو أساس بناء جيل متوازن.
إن كنتم تريدون تعليمًا قويًا، فابدؤوا بحماية المعلم.
إن كنتم تريدون أجيالًا ناجحة، فصونوا كرامة من يربيها.
لأن كسر المعلم اليوم…
هو كسر لجيلٍ كامل غدًا.
