إيران بين نار واشنطن وظل موسكو وبكين…لحظة اختبار لإعادة رسم التوازن الدولي / آية يوسف المسلماني
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في لحظات التوتر الكبرى لا تُقاس خطورة الأحداث بحجم التصريحات، بل بعمق الشبكات التي تتحرك في الظل.
ما يتداول اليوم عن تعاون استخباراتي روسي_صيني لدعم إيران في مراقبة التحركات العسكرية الأمريكية، لا يمكن قراءته كخبر أمني عابر، بل كجزء من معادلة دولية تتشكل بهدوء، فيما تتصاعد حرارة الشرق الأوسط على وقع رسائل متبادلة بين الردع والاستعداد.
المعطيات تشير إلى أن موسكو وبكين لا تكتفيان بالمواقف السياسية الداعمة لطهران، بل تنخرطان بدرجات متفاوتة في منظومة إنذار مبكر قائمة على تبادل معلومات حول تحركات وتمركزات القوات الأمريكية.
إن صحّت هذه المعطيات، فنحن أمام مستوى متقدم من التنسيق يتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى ما يشبه مظلة استخباراتية غير معلنة.
لماذا يهم موسكو وبكين بقاء طهران قوية؟
بالنسبة إلى روسيا لا تمثل إيران حليفاً إقليمياً فحسب، بل تشكل عمقاً استراتيجياً في مواجهة الضغوط الغربية.
فقدان طهران أو تحولها إلى نظام موالٍ للغرب، يعني لموسكو خسارة خط إمداد عسكري مهم، وتراجعاً لنفوذها في غرب آسيا، إضافة إلى اهتزاز صورتها كقوة قادرة على حماية شركائها.
أما الصين فتنظر إلى إيران من زاوية مختلفة ولكن مكملة.
الطاقة أولاً ثم الجغرافيا.
النفط الإيراني المخفّض يمثل متنفساً مهماً للاقتصاد الصيني، وأي اضطراب واسع سيعني ارتفاع كلفة الطاقة وتعقيد مسارات التجارة.
كذلك فإن استقرار إيران عنصر حيوي في شبكة الربط البري والبحري التي تراهن عليها بكين في مشروعها العابر للقارات.
انهيار طهران لا يعني فقط خسارة شريك، بل خسارة عقدة جغرافية في شبكة المصالح الصينية.
في المقابل تقف الولايات المتحدة أمام مفترق حساس.
فالتصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تميل إلى لغة الحسم والقوة، تعيد إحياء عقيدة الضغط الأقصى ولكن ضمن بيئة دولية أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل أعوام.
أي تحرك عسكري واسع لن يكون مجرد مواجهة أمريكية_إيرانية، بل اختباراً مباشراً لحدود التنسيق الروسي_الصيني.
البيت الأبيض يدرك أن ضربة كبيرة قد تجر المنطقة إلى مواجهة متعددة المستويات.
رد إيراني غير تقليدي، تحركات في الممرات البحرية، تصعيد من أطراف حليفة، وربما تدخلات غير مباشرة من قوى كبرى عبر الدعم الاستخباراتي والتقني.
هل نحن أمام حرب أم إعادة تموضع؟
ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة:
١_ سيناريو الضربة المحدودة.
عملية عسكرية محسوبة، هدفها إعادة رسم قواعد الاشتباك دون إسقاط النظام.
في هذا السيناريو ستكثف موسكو وبكين دعمهما الاستخباراتي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، حفاظاً على توازن الردع.
٢_ سيناريو الاستنزاف الطويل.
لا حرب شاملة بل سلسلة عمليات وضربات متبادلة، تترافق مع حرب معلومات وعقوبات وضغوط اقتصادية.
هنا يتحول الشرق الأوسط إلى مسرح إدارة صراع بين القوى الكبرى دون إعلان حرب رسمية.
٣_ سيناريو الانهيار الداخلي.
وهو الأكثر خطورة على موسكو وبكين.
سقوط مفاجئ للنظام الإيراني سواء بفعل ضربة قاصمة أو اضطرابات داخلية، سيعيد تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة ويمنح الغرب فرصة لإعادة التموضع الاستراتيجي.
هذا الاحتمال وإن بدا بعيداً، هو ما يدفع روسيا والصين إلى رفع مستوى التنسيق الاستباقي.
اللافت أن هذا المشهد لا يُختصر بإيران وحدها.
نحن أمام لحظة اختبار لتحالفات ما بعد الحرب الباردة. فالتقارب الروسي_الصيني_الإيراني يعكس محاولة لبناء شبكة أمان متبادلة في وجه النفوذ الأمريكي.
لكن هذه الشبكة مهما بدت متماسكة، تظل محكومة بحسابات المصالح لا بالعقائد.
إذا اندلعت مواجهة كبرى، فلن تكون حرباً تقليدية بين جيوش، بل صراعاً على هندسة النظام الدولي.
من يملك حق رسم الخطوط الحمراء؟
ومن يستطيع فرض كلفة أعلى على خصمه دون أن ينزلق إلى حرب عالمية؟
في الشرق الأوسط لا شيء يحدث بمعزل عن توازنات القوى الكبرى.
لكن ما يجري اليوم يوحي بأن المنطقة لم تعد ساحة تنافس فقط، بل مختبراً لولادة نظام عالمي أكثر تعددية أو أكثر اضطراباً.
وما بين التصريحات النارية والحسابات الباردة، يبقى السؤال مفتوحاً…
هل نحن على أعتاب مواجهة كبرى، أم أمام عرض قوة متبادل يراد منه تثبيت قواعد اشتباك جديدة دون الانزلاق إلى الهاوية؟
