على حافة الانفجار… حرب إيران تفتح أخطر صراع إقليمي منذ عقود\ بقلم: آية يوسف المسلماني
في الشرق الأوسط غالباً ما تبدأ الحروب بحسابات محدودة، ثم تتحول سريعاً إلى مواجهات أوسع يصعب التحكم بمسارها.
ما يجري اليوم في المنطقة يوحي بأن الصراع الدائر حول إيران لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل بات مرشحاً لأن يتحول إلى أخطر أزمة إقليمية منذ عقود، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة نفسها.
في بدايات التصعيد بدا أن الرهان الأميركي_الإسرائيلي يقوم على فرض ضربة قاسية وسريعة تربك القيادة الإيرانية وتدفعها إلى التراجع تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
بعض التقديرات في واشنطن وتل أبيب افترضت أيضاً أن الضغوط المتراكمة قد تفتح الباب أمام اهتزاز داخلي في إيران، أو على الأقل تضعف قدرة النظام على مواصلة المواجهة لفترة طويلة.
لكن التطورات الميدانية لم تسر وفق هذه الحسابات. فبدلاً من الانهيار السريع، اختارت طهران امتصاص الصدمة الأولى والتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة استنزاف طويلة. هذا التحول غيّر طبيعة الصراع بالكامل، لأن إيران لا تعتمد فقط على قدراتها العسكرية المباشرة، بل أيضاً على موقعها في معادلة الطاقة العالمية وعلى قدرتها في التأثير في الممرات البحرية الحساسة.
مع انتقال الحرب إلى استهداف البنى التحتية المرتبطة بالطاقة، بدأت المواجهة تأخذ بعداً اقتصادياً واضحاً. فأسواق النفط والغاز أصبحت جزءاً من المعركة، وارتفاع الأسعار لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تحوّل إلى أداة ضغط متبادلة بين الأطراف المتصارعة.
في هذا السياق تبدو أوروبا من بين الأطراف الأكثر عرضة لتداعيات هذا التصعيد، إذ أن أي اضطراب إضافي في أسواق الطاقة قد يعيد القارة إلى دوامة القلق الاقتصادي بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت احتمالات أن تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة اقتصادية أوسع تطال الصناعة والأسواق العالمية.
لكن التعقيد الأكبر في هذه المواجهة لا يقتصر على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى شبكة التوريطات السياسية التي بدأت تتشكل حولها.
فالحرب التي اندفعت إليها إسرائيل وضعت الولايات المتحدة عملياً في قلب المواجهة مع إيران، سواء أرادت ذلك أم لا.
ومع اتساع العمليات العسكرية، بدأت واشنطن بدورها تضغط على حلفائها الإقليميين من أجل المشاركة بشكل أوسع في إدارة هذا الصراع.
هنا تحديداً تظهر معضلة الخليج.
فالتطورات العسكرية الأخيرة والاتهامات المتبادلة تعكس حجم القلق من احتمال تحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة مباشرة. وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض الدول الخليجية التأكيد على أنها لا تسعى إلى التصعيد، يبقى خطر الانزلاق إلى صراع أوسع قائماً، خصوصاً إذا استمرت الضربات المتبادلة أو توسعت دائرة العمليات العسكرية.
المفارقة أن جزءاً كبيراً من التوتر يجري في محيط الخليج، رغم أن الرواية الأساسية للصراع تصوره كمواجهة بين إسرائيل وإيران.
هذا التناقض يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة ما يجري: هل نحن أمام حرب محدودة بين طرفين، أم أمام صراع أعمق يرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة؟
فخلال الأشهر الماضية بدأت بعض الدول في المنطقة تبحث عن تنويع شراكاتها الاقتصادية والانفتاح على تكتلات دولية صاعدة، في وقت يتصاعد فيه التنافس العالمي على الطاقة والأسواق.
من هذا المنظور قد لا يكون التصعيد العسكري منفصلاً تماماً عن هذا الصراع الأوسع على النفوذ الاقتصادي في العالم.
في المقابل تبدو إسرائيل مرشحة لتوسيع عملياتها العسكرية، خصوصاً في الساحة اللبنانية، سواء عبر تكثيف الضربات أو من خلال محاولة استهداف قيادات ميدانية.
مثل هذا التصعيد لا يهدد فقط بتوسيع رقعة الحرب، بل قد يضع الدولة اللبنانية نفسها تحت ضغوط سياسية وأمنية متزايدة.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن إدارة هذه الحرب تبدو أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. فالرئيس الأميركي الذي كان يأمل تحقيق نتائج سريعة يجد نفسه اليوم أمام مواجهة قد تمتد لفترة أطول، وهو وضع سياسي صعب.
فلا التراجع ممكن بسهولة من دون نتائج يمكن تسويقها كإنجاز، ولا التصعيد يخلو من مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة.
في ظل هذا المشهد المتشابك، قد تعود الدبلوماسية في نهاية المطاف لتفرض نفسها كخيار لا مفر منه. فبعض القوى الإقليمية تبدو حريصة على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة خليجية_إيرانية مباشرة، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة لا يملك أحد القدرة على احتواء نتائجها.
لكن حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على أن نهاية هذه الحرب باتت قريبة.
بل على العكس، كل الدلائل توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث يمكن لأي تصعيد إضافي أن يفتح الباب أمام فوضى إقليمية طويلة الأمد.
في مثل هذه اللحظات يصبح السؤال الحقيقي ليس من سينتصر في هذه الحرب، بل إلى أي مدى يمكن للشرق الأوسط أن يتحمل نتائجها إذا استمرت في التوسع. فالحروب التي تبدأ باعتقاد أنها قصيرة قد تتحول أحياناً إلى صراعات طويلة تعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها.
