العالم يتغير… ومضيق هرمز يكشف التحول: هل يستعيد الشرق الأوسط مكانته؟\ غنى شريف
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، بدأت ملامح نظام دولي مختلف في الظهور. فالحرب الحالية لا تكشف فقط موازين القوة العسكرية، بل تكشف أيضاً شبكات الاعتماد الاقتصادي بين الدول، ومن يحتاج إلى من. ومن بين أبرز الأمثلة التي تعكس هذه التحولات ما يتردد حول صعوبة تشكيل تحالف دولي لفتح وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أزمة مضيق هرمز ومحدودية التحالفات
أن دعوة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشكيل تحالف بحري دولي لم تلقَ الاستجابة المتوقعة من عدد من الدول الغربية. فقد فضلت دول مثل أستراليا وإيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا تبني مواقف أكثر حذراً، تميل إلى الحلول الدبلوماسية أو تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة في منطقة الخليج.
هذا التردد لا يعني بالضرورة تبدل التحالفات التقليدية، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لتعقيد الصراعات الإقليمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواجهة محتملة مع دولة مثل إيران في منطقة بالغة الحساسية للاقتصاد العالمي.
و ما يجعل قضية مضيق هرمز أكثر حساسية هو أنه شريان رئيسي لنقل الطاقة العالمية. فجزء كبير من صادرات النفط يمر عبر هذا المضيق، وما يشهده الان من توتر جعل منه قضية دولية لا تخص الشرق الأوسط وحده.
وهنا تظهر حقيقة طالما ظلت خلف الخطاب السياسي الدولي: الاعتماد المتبادل بين الدول. فعلى مدى عقود، ساد الاعتقاد بأن دول الشرق الأوسط تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الغربي، لكن الواقع الاقتصادي يظهر أن العالم الصناعي يعتمد بدوره على موارد المنطقة الحيوية.
عالم متعدد الأقطاب
في هذا السياق، لاقت تصريحات لافتة للرئيس البرازيلي صدى واسعاً، حين شدد على أن العلاقات الدولية يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، وأن كثيراً من الدول باتت تملك من الموارد والإمكانات ما يسمح لها باتخاذ قراراتها السيادية دون وصاية خارجية.
هذه الرؤية تعكس تحولاً أوسع في النظام الدولي، حيث يتجه العالم تدريجياً نحو تعددية أكبر في مراكز القوة، مع صعود دول الجنوب العالمي وتزايد قدرتها على التأثير في الاقتصاد والسياسة الدولية.
الشرق الأوسط بين الموارد والموقع
ضمن هذا التحول، يبرز الشرق الأوسط كمنطقة تمتلك عناصر قوة استثنائية. فإلى جانب احتياطاته الضخمة من الطاقة، يتمتع بموقع جغرافي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويشرف على أهم طرق التجارة البحرية في العالم، ومنها مضيق هرمز.
كما تمتلك المنطقة سوقاً استهلاكية كبيرة وموارد بشرية شابة يمكن أن تشكل قاعدة لنمو اقتصادي وعلمي واسع، إذا ما جرى استثمارها بشكل صحيح.
لم يكن الشرق الأوسط آنذاك مجرد مصدر للموارد، بل كان مركزاً للإبداع العلمي والاقتصادي.
فرصة تاريخية
اليوم، ومع تغير موازين الاقتصاد والسياسة في العالم، يعود السؤال من جديد: هل يستطيع الشرق الأوسط استثمار هذه اللحظة التاريخية؟
إن امتلاك الموارد وحده لا يكفي، لكن تحويل هذه الموارد إلى قوة حضارية واقتصادية يتطلب الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي، إضافة إلى تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول العربية.
الخلاصة
تكشف أزمة الملاحة في مضيق هرمز، وما رافقها من تردد دولي في الانخراط العسكري، عن حقيقة أوسع: العالم يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية لصالح نظام أكثر تعددية.
وفي مثل هذا العالم، قد يجد الشرق الأوسط نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره: ليس كمنطقة أزمات دائمة، بل كمنطقة تمتلك المقومات لتكون مرة أخرى مركزاً للعلم والتنمية والتقدم.
فالثروات التي تحت الأرض مهمة، لكن التاريخ يثبت أن القوة الحقيقية تبدأ من العقول التي فوقها.
