ليس كل حب يصنع الحياة، ولا كل عاطفة تترك في القلب معنى خالداً.
ثمّة حب واحد يتجاوز التعريفات كلّها، لا يقوم على تبادل أو انتظار، ولا يتبدّل بتبدّل الظروف، بل يظل ثابتاً، هادئاً، وعميقاً كأنه جزء من تكويننا.
هناك في هذا المعنى النقي، تتجلّى الأم.
الأم ليست كلمة تُقال، ولا دوراً يُؤدّى، بل حالة من العطاء المستمر، تتسرّب إلى تفاصيلنا دون أن ننتبه.
هي اليد التي تمتد قبل السقوط، والصوت الذي يرافقنا في صمتنا، والطمأنينة التي لا نبحث عنها لأنّها تسكننا منذ البداية.
لا تحب الأم لأنّها تنتظر مقابلاً، ولا لأنّنا نُحسن دائماً، بل لأنّها لا تعرف كيف تُحب بشروط.
تحتوينا في ضعفنا كما في قوّتنا، وتبقى إلى جانبنا حين يرهق الآخرين البقاء. وفي كل مرة نظن أنّنا أصبحنا مكتفين، نكتشف أن في داخلنا جزءاً لا يزال يستند إليها.
تمر السنوات، فنفهم متأخّرين أنّ ما بدا عادياً كان استثنائياً، وأنّ ذلك الحضور الصامت كان الركيزة التي قامت عليها قدرتنا على الاحتمال.
نكتشف أن الأمان الذي نحمله له مصدر، وأنّ القوّة التي نتكئ عليها لها جذور، وأنّ في أعماقنا أثراً دائماً لقلبٍ لم يتخلّ عنّا يوماً.
الأم ليست لحظة احتفال، بل عمر من العطاء لا يُختصر، وحبٌّ لا يُقاس.
وفي عيدها لا تكفي الكلمات لتقول ما يجب أن يُقال، لكنّها تظلّ محاولة صغيرة أمام عظمة ما تقدّمه.
إلى أمي، وإلى كل أم:
أنتِ الحب حين يكون بلا شروط، وأنتِ الحياة حين تضيق بنا الحياة.
كل عام وأنتِ النعمة التي لا تُعوّض، والمعنى الذي لا يزول.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
