في زمنٍ تتكاثر فيه الأوجاع وتضيق فيه الأرض على أهلها، يصبح النّزوح حكاية ألمٍ لا تُروى بالكلمات، بل تُقرأ في العيون المُنهكة والقلوب المُثقلة بالخوف والقلق والسّواعد التي تواجه بعزيمةٕ وإصرار.
يا أهلنا الذين نتشارك معكم اليوم في حارتنا قُوتنا وهمومنا ولقمة عيشنا ودموعنا وابتسامتنا الخجولة، وإن كنتم لم تأتونا سُيّاحًا، ولم تختاروا الرّحيل عن قُراكم طوعًا، بل ابعدتكم الظروف من بيوتكم مؤقتًا عندما فشل عد-وّkم مرارًا في اقتلاعكم من أرضكم كما اقتلع وسرق شجرة الزّيتون من جذورها.
اهلنا وأحبّتنا… نُدرك أنّكم خرجتم تاركين خلفكم ذكرياتكم، أمانكم، وأجزاءً من أرواحكم. وأنّكم لا تحتاجون إلى سقفٍ يحميكم بقدر حاجتكم إلى قلبٍ يحتويكم ووطن يحتضنكم.
نحن اليوم كما أنتم، نحتاج وإيّاكم كما كلّ اللبنانيين إلى كلمةٍ تُشعرنا أنّنا ما نزال بشرًا لنا كرامتنا، لا أرقامًا عابرة ولا عبئًا ثقيلاً على لبناننا الذي نُحب ونُضحّي ليبقى.
اهلنا… من عمق مُعاناتكم نصدح بصوتكم، حذاري أن تتحوّل القرى الّتي يلجا إليها إخوة الوطن إلى أماكن تزيد جراحهم عمقًا، أو إلى بيئةٍ يشعرون فيها بالذّل أو الإهانة.
كم هي قاسية نظرة استعلاء البعض، وكم هي جارحة كلمة تُقال بلا رحمة. ربما تمرّ على من يقولها عابرة، لكنها قد تبقى في قلوب الثّكالى ندبة لا تُنسى. فلنتذكّر جميعًا أنّ الكرامة لا تُجزّأ، وأنّ من فقد منزله لم يفقد حقه في الاحترام، ومن اضطر أن يطلب الأمان لم يفقد قيمته ولا وطنيّته ولا إنسانيته.
فلتُفتح القُلوب قبل الأبواب كما تُفتح لأقرب الناس، ولنمنح بعضنا في هذه الظّروف من دفء قلوبنا قبل دفء بيوتنا. ولنتعامل بلطف، ونساعد بصمت، ونكون عائلة لهم حين غابت عائلاتهم أو تفرّقت بهم السبل. فربّ كلمةٍ طيّبة تُعيد لنا ولهم الأمل، وربّ موقفٍ كريم يُرمم ما كسرته الأيّام، فإنّهم خير من ضحّى وأصلب من واجه، ولنا ولهم في اهلنا في كل لبنان أمل لا يخيب بفعل تجاوزات البعض.
أيّها اللّبنانيّون فلنعتبر دائمًا… الأيّام دول، ولا أحد يعلم أين سيكون غدًا. ربما يأتي يومٌ نحتاج فيه جميعًا إلى من يحتضننا بدلًا من أن يحاسبنا، إلى من يرحم ضعفنا بدلًا من أن يفضحه. فلنزرع الرّحمة اليوم، لنجدها غدًا في أشدّ أوقات الحاجة.
كونوا إنسانيين كما انتم دائمًا، ولا تسمحوا لاحد ان يُفرّق بيننا… فما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبارٌ حقيقي للضّمير، للوطنيّة، للإنسانيّة. اختاروا أن تكونوا النّور في عتمة غيركم، والكرامة في زمنٍ يُهددها، والرّحمة في عالمٍ يشتدّ قسوة.
النّازحون ليسوا عبئًا… بل أمانة في أعناقنا جميعًا.
ضيوفنا في حارة صيدا…
في زمنٍ تُختبر فيه إنسانيتنا قبل أي شيء آخر، وأنتم تُدركون انّ اهلكم في حارة صيدا كما انتم أبعد النّاس عن اختبار الإنسانيّة والوطنيّة، وفي زمن لم يكن النّزوح خياركم، بل قدرًا قاسيًا فُرض عليكم فتشرّفنا بكم، وانتم الّذين تركتم بيوتكم وذكرياتكم وأمانكم خلفكم. نؤكّد لكم انّكم اعزّة لا غرباء، بل أهلٌ وأخوة، جمعتنا بكم الأرض والوجع والمصير.
ضيوفنا الكرام، إنّ احتضاننا ليس فضلًا، بل واجبٌ أخلاقي ووطنيّ وإنسانيّ. نحن لكم الكلمة الطّيّبة والوطن المؤقّت، والابتسامة التي ستحفظ لكم كرامتكم التي يحاول البعض سلبها بالقوّة والتّآمر، فيما أنتم تحفظون كرامة الوطن- كلّ الوطن في جنوبه وبقاعه وضاحيته الشّموس. ونقول باسمكم أنّنا منكم ومعكم لن نسمح بأن يحوّل نزوحكم سببًا لإذلالكم، ولا ان يفتح من هذه الأزمة بابًا لإهانتكم.
ضيوفنا الأعزّاء نحن لكم سندًا وحضنًا، وأنتم أبدًا لستم عبئًا ولا جرحًا.. بل أنتم أصحاب الدّار ونحن ضيوفكم…
ولإخوتنا في الوطن نقول، إنسانيّتنا اليوم هي الاختبار الحقيقي… فلنختار أن ننجح فيه جميًعا، كي ينجح الوطن ويرتقي بأهله، فإن سقطت إنسانيّتنا… سقط الوطن.
عشتم، عاش الوطن.
بلديّة، واهالي بلدة حارة صيدا
