“كمين الإجراء الإداري”: حين تبتلع وزارة الخارجية صلاحيات الدولة وميثاقيتها!/ محمد غزالة
في بلدٍ يقوم على التوازنات الدقيقة مثل لبنان، لا يمكن قراءة أي خطوة دبلوماسية بمعزل عن أبعادها السياسية العميقة. ما يجري اليوم تحت مسمى “إجراءات إدارية” في وزارة الخارجية ليس مجرد تطبيق للنصوص، بل هو قرار سياسي بامتياز يستفيد من ثغرات التشريع للالتفاف على جوهر الدستور والميثاق.
الدستور واضح: السياسة الخارجية ليست “مُلكية فردية”
إن حصر التعامل مع سفراء الدول—اعتماداً أو طرداً أو تعليقاً—في خانة “العمل الإداري التشغيلي” هو تسطيح لجوهر القانون. فالدستور اللبناني وزّع هذه الصلاحيات بدقة:
مجلس الوزراء مجتمعاً: هو صاحب الاختصاص الأصيل في تقرير السياسة الخارجية، وهي من القضايا الميثاقية الكبرى التي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء الحكومة.
رئاسة الجمهورية: هي المرجعية التي تفاوض وتبرم الاتفاقيات وتعتمد السفراء، وهي جزء لا يتجزأ من السلطة التنفيذية في هذا الملف.
مجلس النواب: بصفته مصدر الشرعية في النظام البرلماني والشريك الدائم (عرفاً وطائفياً) في اختيار السفراء، لا يمكن تغييبه عن قرارات تمس علاقات لبنان الإقليمية.
وزارة الخارجية: “أداة تنفيذية” لا “مرجعية قرار”
إن وزارة الخارجية هي مؤسسة تابعة للسلطة التنفيذية، مناط بها تنفيذ الأعمال الإجرائية، وليست جهة تقرر سياسة الدولة الخارجية أو ترسم تموضعاتها. التعامل مع سفير دولة إقليمية نافذة ومؤثرة مثل إيران، لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسيره في نطاق فني مجرد، بل هو إجراء يعكس موقف الدولة اللبنانية برمتها.
“صمت المرجعيات” وسيناريو التنصل
بناءً على هذا الواقع، لا يصح للجهات الدستورية المعنية (رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس) الصمت تجاه هكذا إجراءات. إن محاولة تصوير ما يقوم به الوزير يوسف رجي على أنه تصرّف “من تلقاء نفسه” أو استناداً لنصوص إدارية جامدة، هي محاولة بائسة للتنصل من المسؤولية وعواقب هكذا خطوة قد تؤدي إلى أزمة داخلية وخارجية خطيرة.
ختاما
إن التلاعب بالجانب الدستوري والقانوني لتمرير أجندات سياسية هو انحراف خطير. فلا يمكن لوزير أو مدير عام أن يحلّ مكان الحكومة مجتمعة، ولا يمكن لـ “نص إداري” أن يلغي “الميثاق الوطني”. إنها لعبة رفع سقوف خطيرة في توقيت أدق، حيث لا تملك الدولة ترف الانقسام حول بديهيات تمثيلها الخارجي.
