شهداء كفرملكي قرابين الأرض تعانق وجه السّماء/د.وداع وجيه حمادي
اليوم الأخير قبل الهدنة، خرجْت أتجوّل كعادتي في الحيّ الّذي تربّيت فيه وعشت فيه ولا أزال، أعشق هذا المكان الّذي يربط بلدتي كفرحتّى بمكان سكني منذ الطّفولة في كفرملكي، أشعر بالطّمأنينة هنا على الرّغم من أنّ هذا المكان تعرًض للهجمات الصّهيونيّة الغادرة مرّة في عدوان أيلول، ومرّتين في غضون أسبوع واحد بعد اتّفاق وقف إطلاق النّار، ولا أنكر أنّ قلبي لم يكن يتحمّل رؤية ممتلكات جيراننا وأرزاقهم تتدمّر وتحترق.
في جولتي كنت أتفقّد منشر الغسيل عند جيراني كي أشعر بالأنس أنّهم لم يغادروا بعد، ملابسهم معلّقة، وسيّارتهم مركونة هنا، وفي بيت آخر صوت أطفال يحملون الدّنيا في قلوبهم كدولاب هواء، نساء يحضّرن الطّعام وقليل من الرّجال يتناولون الأوضاع بحذر شديد من مسيّرات أطبقت على أنفاسنا منذ ثلاث سنوات تقريبًا.
عدت إلى البيت وكانت أمّي قد جهّزت “التّرويقة” وإذ بضربة غادرة هشّمت وجه الحيّ، وبعد أن حاولنا استيعاب الصّدمة، ونفضنا الرّماد عن وجوهنا، دون قلوبنا، تجمّعنا في غرفة واحدة وما كادت الشّمس تغيب حتّى سمعنا ضربة تحذيريّة، وجرّاء كثافة الدّخان لم نستطع تحديد المكان، تفرّقنا في غرفتين، أبعدنا الأطفال عن الزّجاج، الشّعور في هذه اللّحظات هو التّهيّؤ للقاء المولى عزّ وجلّ، لم أهدأ، كنت أرفع الدّعاء، أنظر في وجوه عائلتي، لم أستطع أن أمنحهم الطّمأنينة، نزل الصّاروخ وقبل أن ينجلي الغبار صرخْت لأخي: “بيت حمّود بالبيت”
أجابني: “أكيد مش بنايتن مستحيل هيدي الضربة عالبناية المضروبة قبل”
وما إن انجلى الغبار تعالى صوت امرأة ناجية، عندها فقط هبّ الجميع، إلّا أنا تسمّرت في مكاني وكنت أتمزّق:”كانوا ركضوا ع بيتنا، ليش ضلوا، بين التحذيري والضربة خمس دقايق كانو تخبو عنا!”
لكنّ الله شاء ذلك، وبعد عشرين ساعة من البحث ورفع الرّكام، عاد الرّجال الثّلاثة، هذه المرّة في أكفان، محمولين على الأكفّ.
في المرور الأخير من الحيّ المهشّم القلب
في الوداع الأخير والنّظرة الأخيرة
نثرت الورد وقلبي يعتصر غضبًا… دعوْنا لهم كثيرًا ولكنّ الله أرادهم شهداء…
تلك اللّيلة كانت صعبة جدًّا، كنّا ننتظر فرق الإسعاف أن تنتهي، صوت إزالة الرّكام يجعلني أشعر بإطباق الأسقف فوق صدورهم، كنت أشعر بالباطون يسحقني، وربّما بالغضب لأنّني بخير وهم تحت الأنقاض، مشاعر متضاربة،
فكّرت كثيرًا ماذا لو كان بيتنا الّذي قصف، ماذا لو كان الموت لنا… أو مثلًا… ماذا لو جاؤوا إلى بيتنا… ماذا لو اختبأنا كلّنا في المكان نفسه؟
أغضب كلّما تذكّرت أنّ المسافة الزّمنيًة بين التّحذير والقصف لم تكن كافية لنفعل شيئًا…
كنّا نقف مرتبكين فقط لا نعلم أين وقع الصّاروخ حتّى سمعنا صوت النّساء…
لا أظنّ أنّ القلب سيتجاوز هذه المشاعر…
شعور واحد كفيل بحزني بقهري وغضبي
عندما أفكّر مليًّا: لقد كانوا فداء عنّا جميعًا
لقد استحالت أرواحهم قرابين تطلع في شرايين الأرض فتعانق السّماء
هنيئًا لهم هذا المقام
وهنيئًا للجنّة بمن استقبلت.
