كتبت زهراء سويد
في زاويةٍ من الركام، حيث كانت تقوم حياةٌ كاملة قبل أن تبتلعها الحرب، يعود الحاج حسين علي فقيه، المعروف بأبي علي، كل يوم إلى المكان الذي كان يومًا منزله. لا يأتي باحثًا عن شيء يمكن إنقاذه، ولا منتظرًا معجزة تعيد الجدران كما كانت، بل يأتي لأن القلب ما زال معلّقًا هنا، بين حجرٍ مكسور وذكرى لم تمت.
في السابعة والثمانين من عمره، لم يعد أبو علي يحتمل مشقة السير ولا قسوة الأيام، لكنه يحتمل ما هو أشدّ: أن يرى عمره ممدّدًا أمامه على هيئة أنقاض. يجلس بصمت، يلامس الحجارة بيدين أنهكهما الزمن، كأنه يربّت على كتف بيتٍ فقده، أو يعتذر له لأنه لم يستطع حمايته.
لا أحد يعرف تمامًا ماذا يشعر رجلٌ يعود إلى بيته فلا يجد سوى الغبار. لكن ملامحه تقول الكثير. انحناءة ظهره ليست من كبر السن وحده، بل من ثقل الخسارة. وصمته ليس هدوءًا، بل حزنٌ تجاوز الكلام. عيناه، اللتان شهدتا عقودًا من التعب والبناء، تقفان اليوم عاجزتين أمام مشهد الخراب.
هنا كانت غرفة الجلوس، وهناك كانت نافذة تطل على صباحاته، وفي هذا الركن ربما لعب الأحفاد، أو اجتمعت العائلة حول خبزٍ ساخن وحديثٍ طويل. الآن لم يبقَ سوى فراغٍ واسع، يردّد أسماء الغائبين ويستحضر أصواتًا لم تعد تُسمع.
ينام أبو علي فوق الركام أحيانًا، لا لأنه لا يجد مكانًا آخر فقط، بل لأن الإنسان حين يفقد بيته يبحث عن قربٍ أخير منه، ولو فوق حجارته المكسورة. يضع رأسه حيث كان الأمان، ويغمض عينيه على أمل أن يرى البيت كما كان، لا كما صار.
ومثل أبو علي، كثيرون من الرجال والنساء الذين أمضوا أعمارهم في بناء بيتٍ حجرًا حجرًا، وجمعوا تفاصيل أيامهم ذكرى فوق ذكرى، وجدوا أنفسهم فجأة أمام خرابٍ سرق تعب السنين. بيوتٌ لم تكن مجرد أبنية، بل حكايات عمر، وضحكات أطفال، وصور عائلة، وأحلامًا كبرت داخل الجدران ثم سقطت معها.
الحرب لا تهدم المنازل فقط، بل تهدم ما بداخلها من طمأنينة، وتقتلع من الناس شعورهم بالأمان والانتماء. تتركهم واقفين أمام أبواب لم تعد موجودة، يبحثون بين الحجارة عن جزءٍ من أنفسهم.
قصة أبو علي ليست قصة رجلٍ فقد منزلًا فحسب، بل قصة وجعٍ يتكرر في وجوه كثيرة، حين يتحوّل العمر كله إلى ذكرى، وتصبح العودة إلى البيت زيارةً لمكانٍ لم يعد موجودًا. ومع ذلك، يستمر في العودة، كما يستمر غيره في التمسك بما بقي، لأن ما تهدّم من حجر، لا يستطيع أن يهدم جذور الإنسان ولا ذاكرته
