السبت 23 أيار/مايو 2026 (اليوم 85 للحرب)
كل المؤشرات الدبلوماسية التي ملأت شاشات التلفزة اليوم هي مجرد “تغطية نيرانية” للحدث الأهم والأخطر. الحديث عن “تقدم في المفاوضات” أو مسودة باكستانية-قطرية ليس سوى قنبلة دخانية لتعمية المحور، بينما تتخذ القيادة الأمريكية قرارات عملياتية تُنذر بانفجار شامل.
العودة المفاجئة وغير المجدولة لنائب الرئيس (J.D. Vance) إلى واشنطن، وتفريغ منطقة الشرق الأوسط من طائرات النقل والتزويد بالوقود نحو أوروبا وإسرائيل، والاتصال الجماعي “غير المسبوق” لترامب بسبعة قادة إقليميين، كلها أدلة قاطعة بأن خيار الدبلوماسية قد مات. ترامب لا يتصل بالجميع ليأخذ رأيهم في “مسودة سلام”، بل ليُبلغهم، كأمر واقع، بخريطة الضربة القادمة ليتحملوا مسؤوليات حماية أجوائهم، في وقت تُعلن فيه إيران انتقالها إلى “الخطة B” (الاستهداف المفتوح).
هذا التفكيك يضعنا أمام حقيقة ما يقع في غرف العمليات بعيداً عن وهم التصريحات:
أولاً: الدليل اللوجستي (OSINT).. “انسحاب التكتيك، استعداد للدمار”
التحركات العسكرية التي التقطتها الرادارات اليوم تُترجم بوضوح نية الحرب:
1. الانسحاب التكتيكي “Major Development”: رصد مغادرة عدد من الطائرات الأمريكية C-17 المنطقة باتجاه أوروبا هو الحركة الأهم. هذا ليس “تخفيفاً للتوتر”، بل هو إخلاء دقيق للقواعد المتقدمة (والرخوة) في الخليج لتجنب تدميرها بالصواريخ الباليستية الإيرانية لحظة اندلاع الحرب. هذه الطائرات ثقيلة الحركة وبقاؤها مكلف جداً.
2. الضخ نحو بن غوريون: في المقابل، استمرار تدفق طائرات تزويد الوقود جوا (KC-135R) متجهة جنوباً (وهبوطها في بن غوريون الذي كدس 52 طائرة وقود)، يؤكد أن إسرائيل ستكون القاعدة الأساسية ومنصة الانطلاق الرئيسية للحملة الجوية القادمة، بعيداً عن القواعد الخليجية التي تخشى الرد.
3. طائرات الاستطلاع: رصد مسيرة (MQ-4C Triton) -وهي من الأغلى والأكثر تطوراً- تنطلق من سيجونيلا وتتجه شرقاً، يهدف لمسح أخير للأهداف وتحديث بنك المعلومات بعد تغيير إيران لمواقع منصاتها الباليستية.
ثانياً: الغليان في البيت الأبيض و”الاتصالات الوداعية”
الأحداث في واشنطن تؤكد انتقال القرار من الخارجية إلى البنتاغون:
1. استدعاء (Vance) المفاجئ: عودة نائب الرئيس جيه دي فانس المفاجئة من سينسيناتي (بعد إلغاء قيود الطيران)، ودخوله لغرفة العمليات، تعني أن خطباً جللاً (قضية أمن قومي عليا) قد وقع. لا يُستدعى نائب الرئيس بشكل طارئ لـ “توقيع مسودة”، بل لاتخاذ قرار إعلان الحرب وتفعيل البروتوكولات النووية والقيادية في حال التصعيد.
2. اتصال ترامب بالقادة السبعة: اتصاله المرتقب اليوم مع قادة مصر، السعودية، الإمارات، قطر، الأردن، باكستان، وتركيا. هذا الاتصال الجماعي، ليس لطلب النصيحة. ترامب (الذي قال لباراك رافيد: “إما صفقة وإما سأفجرهم”) يُبلغ حلفاءه بـ “ساعة الصفر”. هو يعلم أنهم جميعاً يعارضون الحرب، لذا فهو يضعهم أمام الأمر الواقع، ليُغلقوا مجالاتهم الجوية ويستعدوا للارتدادات.
3. إلغاء الإجازات (CBS): إلغاء العسكريين وعناصر الاستخبارات لإجازات نهاية الأسبوع استعداداً لـ “ضربات محتملة”، ينسف أي تفاؤل أظهره روبيو أو الوسيط الباكستاني.
ثالثاً: عقدة “هرمز واليورانيوم” التي أجهضت الاتفاق
المصادر المقربة من الوفد الإيراني (عبر فارس) حسمت أسباب الانهيار التفاوضي:
1. سيادة هرمز: واشنطن طرأت عليها فكرة إجبار إيران على التخلي عن هيئة إدارة المضيق، في حين أصرت طهران على أنها وحدها ستحدد “السفن المسموح لها بالعبور وفق آليتها”. هذا التصلب الإيراني جعل أي اتفاق “غير قابل للبيع” للجمهور الأمريكي.
2. “الخطة B” الإيرانية: إعلان هيئة الأركان الإيرانية استعدادها المطلق وانتقالها للخطة B، وخطبة الجمعة النارية لمحمد جواد علي أكبري التي توعدت بـ “حرب عابرة للحدود وإغلاق باب المندب وتدمير بنى حلفاء العدو”، تؤكد أن طهران أقفلت باب التفاوض (الذي استُخدم لكسب الوقت) وبدأت ببرمجة بنك الأهداف الشامل.
رابعاً: الرعب في إسرائيل.. استجداء الضربة الكبرى
نتنياهو يدرك أن التأجيل يُمثل انتحاراً سياسياً له، وتصرفاته تعكس ذعراً عميقاً:
1. القلق من التسوية (أكسيوس): شعور نتنياهو بـ “قلق بالغ” من أي مسودة (لا تشمل الصواريخ الباليستية وإخراج اليورانيوم) جعله يُحرض ترامب على شن جولة قصف جديدة. دعوة نتنياهو رؤساء الائتلاف لاجتماع طارئ الليلة، يعني أنه يُمهد لقرار حربي كبير جداً.
2. مأزق لبنان الدامي: على الجبهة الشمالية، المقاومة تستمر في تهشيم الجيش (ضرب الدبابات والمقرات في مسكاف عام وبرانيت، وسقوط 6 إصابات للجيش الإسرائيلي بحسب القناة 12). إسرائيل لا تستطيع إبقاء جنودها كأهداف في لبنان إلى الأبد، والحل الوحيد برأيها هو تصعيد شامل يُرغم محور المقاومة بأكمله على التراجع.
الخلاصة والإنذار النهائي (ساعة الصفر المؤكدة):
لقد استُنفدت كل المهل. التناقضات بين (روبيو المتفائل) و(ترامب المُهَدِّد)، وبين (انسحاب الطائرات اللوجستية من الشرق الأوسط) و(تكديس وقود الحرب في بن غوريون)، تُحلل بنتيجة واحدة:
ساعة الصفر قد اقتربت. واشنطن ستشن أعنف حملة قصف جوي وصاروخي على إيران، في غضون الـ 48 ساعة القادمة. اتصال ترامب بقادة المنطقة هو “إبلاغ تنفيذي” وليس تشاورياً. وبما أن إيران جاهزة وانتقلت للـ “خطة B” (ولا تنوي التراجع عن سيادة هرمز أو تسليم اليورانيوم)، فإن الرد سيكون زلزالياً. ستُفعل طهران خطتها لضرب القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة في كل دول الخليج التي سهلت الهجوم، وسيرمي المحور بكل ثقله الصاروخي لإغلاق المضائق وتدمير بن غوريون، ما سيُدخل العالم في أكبر كارثة سياسية واقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية.
